كأسي دموعٌ همَتْ تغدو بها الذِّكَرُ
لا ضجةُ العمر تثنيها ولا الفِكَرُ
وكيف تُثنَى دموعٌ كلُّها حُرقٌ
يبدو لها لهبٌ بالقلب مُستعِر
من لم يصدِّقْ بأن الدمع مُنْذرفٌ
من ذا الفؤادِ ففي شجوي له خبر
الصخرُ يدمعُ إن هزَّتهُ كارثةٌ
فكيف يسكتُ قلب حظُّه عِبَر؟
طوْرًا تؤرِّقُه الأشجان جارفةً
فيمَّحي وَهْمه الزاهي ويندثر
وتارةً ينبري في السَّهْو مُغتنمًا
حُلْمَ الخيال وما في وَفْدِه وَطَر
عمْرٌ يُقضَّى هشيمًا رغم جِدَّته
وباقةٌ زهرُها ذاوٍ ومُنتثِر
جَذَّفتُ قاربَ عمري وسْطَ صاخبةٍ
من المياه ووسْطَ الريح تَنهمر
فما وصلتُ إلى الشُّطآنِ أرقبُها
وظلْتُ أُعمل مِجذافي ولا أذر
هل الشواطئُ آلٌ غرَّ ناظِرتي
عمّا بعيدٍ، وهل غِيطانُه مَدَر؟
إذًا أَأتركُ مِجذافي، وأنبذُه
بين الهوائجِ صخّابًا بها الخطر؟
حاشا لمثليَ أن ينساقَ مُندحِرًا
مهما تلقَّى، فما الأحرار تندحر
الحرُّ يمضي إلى التيّار يغمرُه
بالعزم متَّقدًا، بالحزْمِ يَسْتوِر
الحرُّ نارٌ من الإلهام شُعلتُها
والحرُّ نورٌ، ولكن ليس ينغمِر
الحرُّ زلزلةٌ إن هزَّه حدثٌ
والحرُّ عاصفةٌ إن ثارَتِ النُّذر
يمشي رزينًا إلى غاياتِه قُدُمًا
في خطْوهِ نغمٌ تشدو به العُصُر