تَفَقَّدْتُ الأَثَافِيَّ وَهْيَ خُرْسٌ
فَمَا أَبْقَتْ لِسَائِلِهَا جَوَابِ
وَمَا بَقِيَتْ سِوَى رِيحٍ تَمُرُّ
تُقَلِّبُ فِي الصُّدُورِ أَثَرَ التُّرَابِ
دِيَارٌ كَانَ فِيهَا الضَّوْءُ حَيًّا
فَصَارَ الضَّوْءُ يُسْتَجْدَى بِبَابِ
أُقَلِّبُهَا فَلَا تَدْنُو لِقَلْبِي
كَأَنَّ الصَّمْتَ أَغْلَقَهَا بِقَضْبِ
تَسَلَّلَ فِي جُفُونِي وَهْنُ لَيْلٍ
فَأَسْدَلَ فَوْقَ أَجْفَانِي حُجُبِي
وَخَدَّرَ فِي الحَشَا نَبْضَ التَّوَقِّي
وَغَشَّى السَّمْعَ مِنْ وَقْعِ التَّعَبِ
فَلَا صَحْوٌ يُسَمَّى وَلَا كَرًى
سِوَى حَالٍ تَشَقَّقَ فِي أَعقَابِي
فَهَاجَ الطَّيْفُ مِنْ بَيْنِ الرُّكُودِ
كَنَارٍ فِي الْخِبَاءِ بِغَيْرِ حَطْبِ
أَتَانِي وَالْمَضَارِبُ فِي مَسَاءٍ
وَكُلُّ الأُفْقِ مُضْطَرِمُ السَّحَابِ
فَلَا أَرْنُو لِغَيْرِ الوَضَّحَاءِ
وَلَا أَعْنِي سِوَى ذَاكَ الشِّهَابِ
أُشَبِّعُ مُقْلَتَيَّ مِنَ التَّلَقِّي
كَمَنْ ظَمِئَتْ رِمَاحُهُ لِلشِّرَابِ
وَأُمْسِكُ نَفْسَ وَقْتِي لَا أُفِيقُ
كَأَنِّي شُدْتُ مِنْ صَبْرِي عُصُبِي
وَيَضْطَرِبُ الجَوَانِحُ فِي جُوَافٍ
إِذَا مَا الشَّوْقُ ضَاقَ بِهَا وَثَبِ
تَمَشَّى النُّورُ فِي خَطَوَاتِ بَانٍ
لَهَا فِي الرَّمْلِ تَوْقِيعُ الذِّئَابِ
وَمَرَّ العِطْرُ مِنْ شَعَرٍ عَلَيْهَا
فَأَفْزَعَ كُلَّ سَاهِرَةٍ بِقَلْبِي
إِذَا انْعَطَفَتْ تَفَتَّحَ كُلُّ وَهْدٍ
وَإِنْ سَكَنَتْ تَوَقَّدَ كُلُّ جَوانِبي
جِلَادُهَا كَغَصْنِ البَانِ لِينٌ
وَفِي لِينِ الجِلَادِ حِدَّةُ الحَرْبِ
فَإِذْ هِيَ تُقْبِلُ الضَّحْكَانَ سَعْيًا
كَظَبْيٍ فَارَقَ الأَشْرَاكَ رَهْبِي
تُرَاوِدُنِي الخُطَى نَحْوَ احْتِوَاءٍ
وَيَسْبِقُنِي إِلَيْهَا كُلُّ لُبِّي
أَرَانِي قَائِمًا وَالنَّبْضُ يَعْلُو
وَتَحْتَ الضِّلْعِ يَصْطَكُّ السِّنَابِ
وَإِنِّي لَفِي اشْتِعَالٍ لَا يُطَاقُ
كَأَنِّي سَيْفُ حُبٍّ فِي قِرَابِ
فَلَمَّا أَسْرَعَتْ شَوْقًا إِلَيْنَا
تَزَاحَمَ فِي دَمِي صَوْتُ النِّصَابِ
رَأَيْتُ الذِّرَاعَ تَفْتَحُ بَابَ صَدْرٍ
وَتَدْعُو كُلَّ مُحْتَرِقٍ لِقُرْبِ
وَمَا بَيْنِي وَبَيْنَ العِطْرِ شَيْءٌ
سِوَى نَفَسٍ يُمَزِّقُهُ انْسِيَابِي
وَلَكِنِّي رَأَيْتُ الْخُطْوَ يَعْدِلُ
وَيَجْنَحُ نَحْوَ شَخْصٍ غَيْرِ صَحْبِي
فَهِبْتُ مِنَ الرُّؤَى وَالصَّدْرُ يُصْلِي
وَأَسْمَعُ فِي أُذُنَيَّ وَجِيبِي
رَأَيْتُ الْفَرْحَ يَسْكُنُ غَيْرَ صَدْرِي
وَيُفْلِتُ مِنْ يَدَيَّ كُلُّ طلَبِي
كَأَنِّي كُنْتُ ظِلًّا فِي طَرِيقٍ
وَكَانَ هُوَ الْمَقَامَ لَهَا غَالِبِي
رَأَيْتُ بِعَيْنِ غَيْرِي وَهْيَ فِيهِ
تُطَوِّقُهُ وَتَسْكُنُ فِي اقْتِرَابِ
فَلَمْ أَعْرِفْ مَكَانِي وَهْيَ تُلْقِي
ذِرَاعَيْهَا عَلَى صَدْرٍ غَرَابِ
ثُمَّ انْشَقَّ المَنَامُ فَصِرْتُ خِلْوًا
أَرَاهُمَا وَأَنْخَلِعُ انْخِلَابِي
وَفَجْأَةً أَرَى رِيحَ الفَزَعِ تَسْرِي
تَقْلِبُ جَوْفِي كَأَنَّهُ صَدْرُ حَرَابِ
وَالنَّبْضُ يَخْفِقُ فِي أُذُنِي صَوْتًا
يَصْدَى وَيَفُرُّ مِنْ كُلِّ أَوْرَابِ
دَفَعْتُ نَفْسِي فِي اليَقَظَةِ أَسْرَعُ
وَالْخَوْفُ يَمْلَأُ كُلَّ دَرْبٍ وَالأَرَابِ
وَخَفَقَ القَلْبُ خَفْقًا لَوْ تَسَامَى
لَزَلْزَلَ خَيْمَتِي وَقْعُ الصَّخَبِ
نَفَضْتُ النَّوْمَ عَنِّي وَهْوَ يَغْشَى
كَمَنْ لَمَسَ الجَمَادَ بِغَيْرِ أَرْبِي
تَبَدَّلَ وَجْهِيَ النُّفُورُ عَلَيْهِ
وَمَالَ الطَّرْفُ مُنْكِرَ ذَاكَ قُرْبِي
وَقُلْتُ لِقَلْبِيَ الْمَصْدُوعِ كُفَّ
فَهَذَا الْحُلْمُ لَا يُؤْتَى بِعَتْبِي
تَرَكْتُ الطَّيْفَ يَجْمَعُهَا سُرُورٌ
وَعُدْتُ أُجَرِّعُ الصَّبْرَ الْمُرَبِّي
أُسَامِرُ لَيْلَ وَحْدَتِيَ الطَّوِيلَ
وَأَحْمِلُهُ عَلَى كَتِفِ التَّعَبِ
إِذَا نَادَتْ رِمَاحُ الشَّوْقِ فِيَّ
أَجَبْتُهَا بِصَمْتٍ مُسْتَلَبِ
فَخُضْتُ إِلَى نَفْسِي صِرَاعًا
أَشَدَّ مِنَ الطِّعَانِ بِكُلِّ حَرْبِ
وَقُلْتُ لَهَا: إِذَا مَالَتْ لِغَيْرِي
فَإِنِّي لَا أُذَلُّ وَلَا أُسَبِّي
أُحِبُّ وَلَا أُسَاوِمُ فِي وُقُوفِي
وَلَا أَرْضَى بِأَنْ أُعْطَى بِقَصْبِ
فَإِنْ كَانَ الْمُنَى لَمْ تَرْتَضِينِي
فَحُبِّي سَيْفُ صِدْقٍ غَيْرُ كَذْبِ
أُشِيدُ بِهِ عَلَى الأَيَّامِ صَرْحًا
وَأَمْضِي وَحْدِيَ الْمُخْتَارَ دَرْبِي
فَمَا نَقَصَتْ كَرَامَتِي بِفُقْدٍ
وَلَا هَانَ الْهَوَى فِيَّ بِسَلْبِ