ألاحَتْ «سُليمى» في البراقعِ ترفلُ
أم الشمسِ تجري في الغمام وتَذألُ
وما الشمسُ إلا رشحةٌ من جمالها
وما البدرُ إلا ظلُّها المتنقِّل
ديارٌ لها باقٍ مدى الدهر روحُها
وليس لها فيما تقادمَ أَوَّل
يُنير السما والأرضَ سبْحاتُ وجهِها
ومن فَرْعِها يسجو الظلام المذيّل
لعزَّتها تعنو وجوهٌ أعزَّةٌ
سجودًا وتفنى في سناها وتضأَل
إذا ابتسمتْ هزَّت بطِيب ابتسامها
رهينًا بقفْرٍ لم يكدْ يتزعَّل
تأرَّجَ من أنفاس ريحان قُدْسِها
نسيمُ حياةٍ في النفوس تَغلْغل
تَرى من مُحيّاها ذُكاءً تبلَّجَتْ
ومن ثغرها برقًا بدا يتهلَّل
ومن لحْظِ عينَيْها تُصيب مقاتلَ الْ
كِرام سيوفٌ لا تكلُّ وأنصُل
يسيلُ دمًا وادي حِماها وكلُّ من
نحا نحوَها في جلهتَيْه مُقتَّل
تريقُ دمَ الهُيّامِ وهي بنفسها
تَدِي ما أراقَتْ من دماهم وتعقل
يذيبُ فؤادَ المستهام جمالُها
وكلُّ معنّىً في هواها مُضلَّل
وأيُّ فؤادٍ يستقرُّ لِومْضِه
وقد دُكَّ منه طورُ سينا وأجبُل
وأنَّى يقاسي مَنْ تسلَّى عن الهوى
بلاءً بقلب المسْتهام يُوكَّل
حظيرةُ «سلمى» لا أنيسَ بسُوحِها
وما أن بها إلا لعَنْقاءَ مَوئل
على أنها في كلِّ مرآةِ وجهِها
على ما اقتضَتْها للعيون تَمثّل
وإني لمشتاقٌ لقاها وإنما
وراء الورى عرشُ استِواها ومعقل
فإن رُمتَ مَغناها ومخدعَ سرِّها
فلُذْ بالذي يهدي إليها ويُوصل
ومَنْ سرُّها في عينه وفؤادِه
ومن حُسنها في وجهِه يُتأمَّل
توسّلْ به والجأْ إليه وإنما
يَنالُ المرامَ مَنْ به يتوسَّل
وما هو إلا «المصطفى» سيِّدُ الورى
«محمدٌ» الهادي النبيُّ المبجَّل
تقدَّم قبل الكائنات وجودُه الْ
مسبِّحُ لله العليِّ المحَمْدِل
وكان نبيًٍّا حين آدمُ لم يكن
له في عروق الطين والماء هيكل
بنقطة باءِ الابتدا منه قد بدا
تنفُّسُ إصباح الوجود يُبسمِل
شهيدٌ ومشهودٌ بإنسان عينه
تجلَّى له في السرّ من هو مُرمل
وأشهده من نفسه وصفاته
حقائقَ كانت عن سواءٍ تُزمَّل
بليلٍ سرى نحو العُلا ليَرى بها
خرائدَ آياتٍ وما ليس يُعقل
وصلَّى بِجمع الأنبياء ليعرفوا
إذًا أنهم أتباعُه حين أُرسلوا
وإنْ منهمُ إلا ومن بحر علمه
على ما اقتضاه مُنْهَلٌ أو مُعلَّل
ورقّاهُ فوق العرش مَنْ قد سرى به
إلى حيث ما للنُّطْق في الوصْفِ مِقْوَل
فلم يكُ إلا قابَ قوسَيْن منه بل
كما جاء أو أدنى يُخبَّر مُنزَل
وإنَّ لقُربٍ منه لم ينلْ قبلُ مرسلٌ
ولا ملَكٌ ممن يُجَلُّ وينبل
فما إن له عينٌ إذًا غيرُ ربِّه
ولا أثرٌ في صفحة الكون يُمقَل
أحاطَ بأعيانِ الحقائق عينُه
بجمعٍ وفَرْقٍ في مِرائِه تُعكَل
عرَفنا إذًا أن الوجود لواحدٍ
وإن كثرَتْ آياتُه إذ نرتِّل
فإن رُمتَ من أسرار معناه فاعرفَنْ
إلى سِرِّه قل يا عبادي مُؤوَّل
ويومَ تقوم الساعةُ الناسُ كلُّهم
بظلِّ لواءِ حمدِه يتَظلّل
يقولُ له اللهُ الكريمُ اشفعَنْ لهم
وسلْ تُعْطَ مني الآن ما أنتَ تسأل
فأكرمْ به من مرسلٍ جاء بالهدى
عليه بوحيِ اللهِ جبريلُ ينزل
فآمن إيقانًا به وبربِّه
رجالٌ أهلُّوا للإله وهلَّلوا
على رغبةٍ أو رهبةٍ إذ دعاهُمُ
أجابوا إليه بادِرين وهرْوَلوا
على كلِّ مَنْ يدعوه فرضٌ أجابَه
سواءٌ يصلّي الفرض أو يتنفَّل
فمن يستجبْه فليتمَّ صلاتَه
ولا يحسبَنْها بالإجابة تبطل
دعاهم لما يُحيِيهمُ ويُقيمُهم
على ما لهم فيه الجمالُ المجمّل
تراهم لديه جاثمين كأنما
على رأسهم طيرٌ ترفُّ وتحجِل
ملابسُهم تقوى الإله ودينُهم
لهم ولمن يأتي قَفاهم مكمَّل
ولم يبقَ في أرض الحجاز وحولها
جَحودٌ لأمرِ الله لا يتذلَّل
وكانوا قديمًا قبل أن يعرفوا الهدى
إذا بارزوا الأعداء فُلُّوا وفَلّلوا
مساعيرُ للحرب العَوان إذا خبَتْ
ببيضٍ على بِيض المقاديمِ أشعلوا
فلما تجلّى ربُّهم لقلوبهم
تردَّوا به رِدْءًا لهم وتسَربَلُوا
وخرَّتْ لأذقانٍ جموعُ عدوِّهم
لما نابَهم من هيبةٍ وتزَيَّلوا
إذا ركبوا لم يستقرَّ لبأسهم
أُسودُ الشَّرى شُمُّ المناخر بُسَّل
أحلُّوا بلادَ الكفرِ دارَ بوارِهم
وأصلوهمُ نارًا تلظَّى وتشعل
ثغورُ المنايا كالحاتٌ لبِيضِهم
إذا بَرَقتْ فوق الأعادي تَهلَّل
لقد ربحتْ منهم تجارتُهم ولا
جزاءَ لهم غيرُ المهيمن يحصل
ولم يُلهِهِم عن ربِّهم زُخرف الدّنا
ولا فَوزُهم منها بما لذَّ إذ ولوا