تخطَّ إلى المحتوى

حينما أقبل الشتاء ببرده الشديد و وحشة ليله الطويل

غير معروف

٢٨ بيت

المتفرقات

حينما أقبلَ الشتاء ببرده الشديد و وحشة ليله الطويل

كتبت لوالدي هذه الرسالة

يا و الدي ، إني هنا يا والدي

لا زلت أقبعُ في جوارِ الموْقِدِ

بردُ الشتاءِ أصابني ، خبَّاْتُهُ

تحتَ الثيابِ ، دفنتُهُ في مرْقدي

لا زلتُ أجلسُ و السكونُ يلُفُّني

و الحزنُ يأكلُ في وعائي من يدي

لا زال في جيْبي خطابٌ مُفْعَمٌ

بالشوْقِ منكَ ، و لهفةٌ لك تَبْرُدِ

لا زالتِ الأوراقُ حيرى تكتوي

و يراعتي في غُربتي لم تصمدِ

تشكو إليكَ و حبرها من أدمعي

بطشَ الذئابِ و قَسْوَةَ الزمنِ الرَّدِي

الليلُ يزحفُ نحوَ بابيَ شاهراً

سيفَ الظلامِ ، و قد تَرَبَّصَ بالغَدِ

و الرِّيحُ تعوي خلفَ شُبّاكِ الأسى

هلْ أدْرَكَتْ أني أعيشُ بمفردي ؟

هل أدرَكَتْ أنَّ الرفاقَ تحمَّلوا

قبلَ المغيبِ ، و ليس لي من مُنْجِدِ ؟

أم خافت الريحُ العقيمُ فأقبَلَتْ

نحوي لتلتمسَ الأمانَ و تهتدي ؟

أَتَضَوَّرَتْ جوعاً كنصفِ الأرضِ،أمْ

خارتْ من الحربِ التي لم تُخمدِ ؟

أم أنها جاءت بأسمالٍ لها

تُبدي الأسى من دونِ سابِقِ موْعِدِ ؟

يا والدي ، جاءَ الشتاءُ فيا تُرى

كم من فقيرٍ في الشقاءِ السرمدي ؟

كم من أسيرٍ خلفَ جُدرانِ العِدا

أكلَ الخَشاشَ ، و سفَّ رملَ الفدفَدِ ؟

كم من بتولٍ قد أُبِيحَ وقارُها

من ظالمٍ متجبِّرٍ مُتَمَرِّد ؟

كم من غنيٍّ موسِرٍ و مُرَفَّهٍ

أعطى بإخلاصٍ و لم يتردَّدِ !؟

لمّا رأيتُ الليلَ خارجَ غرفتي

مُتَوَشِّحاً ثوبَ الظلامِ الأسوَدِ

و رجعتُ بالعينينِ أقرأُ ما بها

و الضوءُ يكسوها ، و دفءُ الموقدِ

و الخيرُ ، كلُّ الخيرِ في أرجائها

في حُسْنِها المُتَأَلِّقِ المُتجدِّدِ

أيقنتُ كم حجم النعيمِ أعيشُهُ

و بأنني في السوءِ إنْ لم أحمَدِ

فَرَفعْتُ كفِّي بالضَّراعَةِ شاكراً

للهِ ، لم أفْتُرْ و لم أتَبَلَّدِ

و دعَوْتُ ربِّي أن يعُمَّ رخاؤُهُ

من كان يتَّبِعُ الرسولَ و يقتدي

و ذكرتُ نبرةَ صوتِكَ الحُلْوِ الذي

جابَ المكانَ كنسمَةِ الصُّبحِ النَّدِي

فرأيتُ كيفَ الصُّبحُ يُسفِرُ ضاحِكاً

من وجهِكَ الغَضِّ الجميلِ الأملَدِ

و سمعتُ شدوَ الطيرِ في همساتِهِ

يحنو على القلبِ العليلِ المُسهَدِ

ألقيتُ حزني حينذا ، أحرقْتُهُ

في النَّارِ ، دونَ تكاسُلٍ و تردُّدِ

و حمدتُ ربَّ الكوْنِ في عليائِهِ

أنْ كُنتَ أنتَ ، و ليسَ غيركَ والدي