تخطَّ إلى المحتوى

سكب الوقت العتمة في كأس الآفاق

غير معروف

١٢٠ بيت

المتفرقات

سَكبَ الوقتُ العَتْمةَ في كأسِ الآفاقِ

فأغرَقَنا في وحلِ الليلْ

نَسَلَ النورَ الأبيضَ منْ عينينا

و رمى نوراً أسودَ في العينينْ .

و ليالي شَعركِ تمتصُّ الليلَ لتَنْقُلَني

مع هذا الليلِ فأغرقُ في ليلينْ .

تتوترُ أعصابُ الليلْ

تتشعَّبُ في جسدِ العَتْمَةِ أمواساً تزحَفُ ... تَزْحَفُ فيهْ

تَجْرَحُ جلدَ الليلِ فَتَقْطُرُ زخاتٌ منْ دَمِهِ

المصنوعِ منَ التاريخِ و تهطلُ فوقَ شراشِفِ روحي

توخِزُ أحزاني توقِظُها

تَسري في ذاكرتي برقاً

حتى تقسمَها وجهينْ

يَلبسُني وجهُ التاريخِ و ألبسُ وجهَ المستقبلِ

أمشي نهراً ضوئياً بينَ الوجهينِ

فَيَشْطُرُني سيفُ الليلِ

و تَعبُرُني قافلةٌ منْ رائحَةِ الدمعِ

و قافلةٌ منْ رائحةِ الدمْ

تَرْسُمُني مخلوقاً دَمْدَمْعِيّاً

أمسكُ بالوترِ الليليِّ و أعزفُ أغنيتي

فَتسيلُ الموسيقى زخاتٍ زخاتْ ،

أمواجاً أمواجاً ،

أنهارَ دموعٍ سوداءْ

أطرقُ بابَ الليلِ و أطرقُ ، أطرقُ ، أطرقُ ،

لا أحدٌ يسمعني

فألملمُ منْ أذنِ الليلِ ، ألملمُ جثَثَ الطَّرْقاتِ

و أدفُنُها في مقبرةِ الشهداءْ

أصطادُ منَ الآفاقِ رنينَ الطَّرْقاتِ

و أسكُبُها في كأسٍ منْ حزنٍ

أشرَبُها حتى السكْرِ فألمحُ وجهَكِ في قعرِ الكأسِ كئيباً و يُناديني بالصمتِ

و يَبكي دونَ دموعٍ فأُغني :

ضُميني يا عاصمةَ الأحزانِ و يا قلبَ الجسدِ الكرويّْ

يا منْ ضخَّتْ دَمَها حُبّا حتى آخرِ أطرافِ شعيراتٍ بشريَّة ْ

ضخَّتْ دَمَها أسراباً أسرابْ

يا منْ تَرضعُ منْ ثديِ الأيامِ حليبَ الموتِ

و تُرضِعُ أبناءَ الأرضِ حليبَ حياةْ

تعصرُ منْ عينيها وطناً ليَعودَ الغُيَّابْ

يا منْ تَدخلُ كالآتي ، المسنونِ ، بخاصرةِ التاريخِ

و تبني مستقبلََها بيديها

ليصيرَ المستقبلُ بيتاً مفتوحَ الأبوابْ

يا منْ لبستْ كلَّ الليلِ

و ما خلَّتْ للحزنِ ثيابْ

نرسم وجه الأيام علينا باللون الليليِّ

عساها تغدو يوما صبحاْ

نغمس بالأسودِ أوجاعَ الأرضِ

لكي تتبخرَ ، تصبح غيماتٍ

تهطل فوقَ التربةِ قمحاْ

نَفْرُشُ فوقَ الليلِ عباءتنا السوداءَ ، نغطيهِ .

نحن الليل ، وهذا الليل ال نعرفه يُوحَى

و أنا أنتِ ، و أنتِ أنا

من دمعاتك تلك تَكوّنَ جسمي

و من العينين أخذت الرّوحاْ .

صبّي حزنك بين الناس ِ

يَنبت من عينيهم عيدُ

دوري من عزف الكاس ِ

كي نُنْشدَ :

دو ري مي فا صول لا سي

ما زلنا نحنُ الاثنان وحيدين

نسيرُ على حبلِ وريدٍ منّا منفردٍ

عينانا وَسعتْ كلَّ الدنيا،

و الدنيا نهرٌ عذبٌ يُسكبُ في تابوتْ

ضمّيني أكثر، أكثر، أكثرَ

فالأرضُ اهتزّتْ

و الجوُّ بداخلنا رعدٌ و رصاصٌ

صرنا الآن غشاءَ الصمتِ ال يخرُقُهُ سيفُ الصوتْ.

تعدو الأفراحُ على أرصفةِ و هامشِ شارعنا

وبقينا في منتصفِ الشارعِ حزناً مجروحاً،

يتّكئُ الآن على صبرِهْ

و يُضمِّدُ جرحَهُ هذا بلفافةِ صمتْ ،

يغمرنا بالوحلِ الأسودِ، يشعرنا بالموتِ الضاحكِ،

نضحكُ، نضحكُ، نضحكُ ...

حتى اهتزَّتْ خاصرةُ الموتْ

فارتعشتْ كلُّ زوايا الآفاقْ.

أجملُ منْ كلِّ الأشياءِ و أصعبْ

وجهٌ رُسمتْ فيه البسمةَُ و هو يموتْ.

أحتاجكِ يا وطناً من أنثى

يا امرأةً كاملةً تحضنني بينَ ذراعيها

تغرسُ في صدري خنجرَ نهديها

تقتلني، تقتلني

ثمَّ تثورُ و تبكي، تحملني بالدّمعِ

و تقبرني في العينينْ

أحتاجكِ يا امرأةً

لا تَصنَعُ بينَ القلبين إشاراتِ مرورٍ أو قانونْ

أحتاجكِ يا امرأةً

تَدْخُلُ روحاً فيَّ و أَدخلُ روحاً فيها

أصبِحُها ، تُصبِحُني ،

نغدو ماءً مصبوبا في ماءٍ ، لا نَعرفُ منْ منا الآخرَ ؛

أحتاجُ ، و أحتاجُ ، و أحتاجْ ...

من مالِ الله يا محسنُ

يا ناسُ أعينوا هذا المجنونْ .

تَعِبَتْ روحي ، تعبتْ أجزائي و بقايا عمري

تعبتْ ، تعبتْ ، تعبتْ

من شدَّةِ هذا الصّدق ِ ،

فإن الصدقَ كما الوقت إذا يكثُرُ قلَّ العمرُ ،

فيا كلماتِ الصّدقِ لقد حرَّضتِ على ألمي ، ألمي .

كلماتُ الصّدق تعرّشُ أشجارَ سيوفٍ

في عينيَّ و في قلبي و فميْ

فتسيلُ الكلماتُ ، من الثغر، مضمَّخةً بالدَّمِّ

فرفقاً بي يا صدقُ

فإنكَ تسحبُ منْ جسدي كلَّ دميْ .

هل ، لبحارِ الدمع ِ، لدينا ساحلْ ..؟؟؟

هل لطريقِ المنفى ، منزلْ ؟

هل ، لمدادِ الحزن ِ، لدينا سُورْ ؟

كانت أسئلةٌ تعبُرُني

تُلْصَقُ في وجهي منها بصماتُ بقايا أجوبةٍ

و ذهولٌ

فأدورُ ... أدورُ ... أدورْ

أسقطُ في منفايَ وحيداً مع ذاكرتي

أصرخُ ، تصرخُ روحي

صرخت كلُّ عروقي و عظامي ، لحمي و دمي

صرخت سائلةً ريحَ الأفراح

بأنْ تأتي و تمشِّطَ فيَّ ضفائرَ حزني

راحتْ تجري ريحُ الأفراح و تركضُ ، تلهَثُ ،

تمشي و تُهروِلُ ، تزحفُ

حتى عبَرتْ منْ بعض ضفائر أحزاني تلك ضفيرةْ .

قالتْ مُرهقة ً:

إنكَ تطلبُ مني أنْ أحيا وأموتَ وأحيا و أموتَ وأحيا وأموت ...

لا أقدرُ أنْ أنهي تمشيطَ ضفائرِ حزنِكَ في هذا العمرِ

فإنَّ ضفائرَ حزنِكَ أطولُ ، أطولُ ، أطولُ

منْ عُمْري بعصورْ .