أيظعنُ من تهوى وأنت مقيمُ؟
فأين اشتياقٌ مُقْعدٌ ومُقيمُ؟
وأين وفاءٌ طالما قد زعمْتَه؟
وما كلُّ زعمٍ بالوفاء زعيم
ولو صحَّ منك الودُّ ما اخترْتَ دونَهم
مقامًا ولا كنتَ البقاءَ تروم
وأيُّ تُراثٍ بعدهم قد أصبْتَه؟
وهل بعدَهم إلا أذًى وهموم؟
فلا تبكِ مَن بالخير فازوا وفَوَّزوا
على أنهم هَبُّوا وأنت نؤوم
وأنّهمُ خفّوا وظهرُك مُثقَلٌ
وأنهم صَحُّوا وأنت سقيم
لعلكَ أحسنْتَ الخلافةَ بعدهم
فتبكي كما تبكيهمُ وتهيم
فلا تَرْجُ من دنياك صفوًا بلا قذًى
ولا برْدَ ظلٍّ لم يَشُبْه سَموم
أتحسبُ خَطْبَ البيْن ويحك هيِّنًا؟
وهل ساغَ من بعد الحَميم حميم؟
وتنقمُ منّي أن ترانِيَ واجمًا
وأيُّ بني الدنيا عداهُ وجوم
أرى الموتَ لا يرضى بأيسرِ فرصةٍ
كليْثِ الشَّرى لا يزدهِيه قضيم
أراه حليفًا للكرام أولي النُّهى
فهل هو مُغْرًى بالكرام غريم؟
يحطُّ بأبواب الأماجد رَحْلَهُ
وحولَ الطّغامِ لا نراه يحوم
إذا كان إلمامُ الوباء يهولُنا
فأوبى وباءٍ أن يُصاب كريم
وليس الوَبا موتَ الألوف من الأُلى
بمَحْياهمُ وجهُ الزمان دميم
فربَّ امرئٍ قامت عليه نوادبٌ
وكان شجًا في الحَلْقِ ليس يريم
فما تصلحُ الدنيا بكثرةِ أهلِها
ولا الدينُ بل بالطَّيِّبين تقوم
وكم طيِّبًا قد أنجبَتْ أمُّه به؟
أروني كعبدِالله حيث أروم
أرونيَ شهمًا مثلَه كان منتهًى
لأهل النُّهَى تأوي إليه شهوم
أرونيَ آثارًا كآثارِه التي
بها تنجلي للمُشْكلات غيوم
أروني أروني لا أرَى بعدَه سوى
رسومٍ إذا أمعنْتَ فهْي رُسوم
لتَبْكِ عليه المنشَآتُ التي جَرَتْ
بأقلامِه من فيضِهِنَّ سُجوم
وتَبْكِ عليه الكُتْب والصحفُ التي
يروقُكَ منها حادثٌ وقديم
فيا ضَيْعةَ الإنشاءِ قد باد أهلُهُ
كما ضاعَ عند الأخشمين شَميم
فقل لعروس الفكر إذ بان كفؤها
تحدّ عليه دهرها وتئيم
وقل لجباة الدرّ قد ذهب الذي
يغالي بسَوم الدرّ حين يسوم
يتيمة دهرٍ كان للدرّ مُؤويًا
فيا عجبًا يُؤوي اليتيمَ يتيم
ومن كان عن عبدالحميد به غنًى
فإن زمانًا هضمُه لذميم
سأبكيه ما هبّت شمالٌ ولا أفي
وأُمسكُ إلا عن أسًى وأصوم