سلوتُ فلا تبغي معاتبةً عندي
دعيني دعيني الآن ناكثةَ العهدِ
إذا كان حرٌّ يرتضي الذل في الهوى
لغادرةٍ فالحرُّ في القوم كالعبد
فلا تحسبيني بعد غدرك آسفًا
عليك ولا مُضنًى معنّىً أخا سُهد
ولا تطمعي مني بشكوى فإنني
محا الغدر ما أبقى الهوى من جوًى عندي
لقد كنتُ من هذا الهوى في ضلالةٍ
على أنني قد عدت بعدُ إلى الرشد
خُلقتُ عَيوفًا لو أرى الماء مُفْسدًا
عليَّ حِفاظي ذدتُ نفسي عن الوِرد
أغرَّكِ ما أبدى الهوى من صبابتي
لقد كان ذلاً لو خُدعتُ به وحدي؟
وقد كان ذلاً لو تخشّعتُ بعدما
غدرتِ ولكن ملتُ عن خلُقِ الوغد
وكم خَدع العشاقَ عن شرَك الهوى
فواجرُ أُرضعْنَ الخيانة في المهد!
إذا كان كلُّ العاشقين يُذلّهم
خداعُ الغواني فالثعالبُ كالأُسْد
سلوتكِ فاختاري ضعيفًا مفجّعًا
يلين ومُنّي إن ترفّقتِ بالبعد
أو ابقي فسِيَّانِ المقامُ ورحلةٌ
ومن أنتِ حتى أكره المكث من حقد؟
تصدّين أو ترضين لستُ مباليًا
صِلي بعد هذا الغدر إن شئت أو صُدّي
نسيتُكِ حتى لو أرى صورةً لنا
لأنكرتُ رسمي فاهزُلي بعدُ أو جِدِّي
ولكنّ قلبي آهِ صبرًا تمهّلي
أودِّعْك لا، بِيني فلستُ بمرتدّ
ليَ الويلُ ما هذا الذي في جوانحي؟
ضعفتُ فلست الآن بالرجل الجَلْد
غرامُك، دمعي، عزتي، رقة الهوى
خيانة حبي، شقوتي، سالفُ العهد
إباءٌ وضعفٌ نارُ غدرٍ ومدمعٌ
ألا شدَّ ما ألقى من الضدِّ والصدّ!
لقد صار طعم الحب صابًا وعلقمًا
وقبلُ حمِدتُ اللهو في عيشه الرغد
أأحقد أم أعفو؟ عناءً وذلةً
لقد طال ما بين العواطف من شدّ
يغالبني في حيرة الحب همّتي
وما في شَغاف القلب من فاجع الوجد
ألين فيبدو الدمع في الجفن حائرًا
وأقسو فلا دمعٌ يسيل على الخدّ
ولو سال هذا الدمع أطفأ لوعتي
ولكنني نهنهتُه أن يُرى جَهدي
يجاذبني فيه وقاري ورقّتي
تحيّر ما في الجفن من مائه الثمد
فأوّاهُ من صرْع الهوى يجعل الفتى
يهيم ليُبدي ثم يأبى فلا يبدي
لئن كنتُ حتمًا ثائرَ النفس هائجًا
فما لي إذن من جرعة الموت من بُدّ
سمومُ الأفاعي الرقْشِ في الكأس بلسمٌ
لِسُمّ الأفاعي من سعادٍ ومن هند
فوا عجبًا من كأس حبِّك أرتوي
به العذب ثم الآن يُفقدني رشدي
أأشربُ سمّاً صار بالكأس ناقعًا
وقد كان ما بالكأس أحلى من الشهد؟
أأجرع كأس السمّ؟ ويلاه همتي
إبائيَ لا تُغلَبْ، غراميَ لا تُردِ
لئن متُّ هاج القومَ في مصرَ مصرعي
وأخلى حماهم ما يروّع من فقدي
إذن لا فبِيني الآن قد غلب الهوى
لمجد بلادي فاذهبي ليس من ردّ
تَحطّمْ تحطَّمْ أيها الكأسُ مثلما
تحطَّمَ حبي للتي خفرتْ عهدي
بلادي اغفري لي ما مضى من تردّدي
ضللتُ بهذا الجبن عن شرف القصد
لكِ القلبُ وثّابَ العزيمة والهوى
وروحي لأقضي ما تريدين من مجد
لقد ثبتتْ في خصب أرضك مهجتي
فإن أهدِها سمحًا فملكك ما أهدي