مُقْلَتي الحبيبة ُ النديةُ الجمالْ
تُحرّق الدموعُ وجنتي ، لأنني مسربلٌ مُكبلٌ حزينْ
ويقتل العذابُ خاطري في مَفرق الطريقْ
إما نظرتُ في اليمين راعني القلقْ
وإن نظرتُ في الشمال هالني تنطعُ الرفاقْ
وفي زماننا على الأشاوس العِظام ، تجرأ العِيالْ
مِن الذين لا رشادَ عندهم ولا ضميرْ
مِن الذين يشربون همة الشهيدْ
مِن الذين يسحقون كل بسمةٍ تُراودُ اليتيمْ
مِن الذين يأكلون طينة الوبالْ
ويَمْحقون كل عزمة تُرصِّع الجبينْ
ويَشتهون أن يُلوثوا البرئْ
ويَنبشون قبر (صاحب الجمالْ)
ويَصرفون عن كلامه في الأرض كلها العبيدْ
لكي تجهَّزَ الديارُ والنفوسُ والقِفارُ للعبيدْ
لكي يَروقَ للطغيان أنْ يُنوّع الفساد ، ويُتْخِمَ البلادَ بالعَتاد
لكي يكافئ المنافقون جَوْقة الفنون ، مِن الذين عُهرهم نما
لكي تكون طُعمةُ الصغير حفنةً يسفها مِن أخبث الرمالْ
يلوثون سُمعة الشهيد ، لم يخافُوا الآخرة
ويكسرون عظْمه علانية
وينسلون لحمه والجيدَ بالمُدى ، ويسلخون جلدَه بلا حياءْ
ويفقأون عينَهُ ، يُحصلون قُوْتَهم كما ادعَوْا
ويَجْدعون أنفه لكي تكون حِلْية رخيصة لعاهرة
ويُتْرعون صدره بظلمهم والغش والخبالْ
ويملأون جوفه بالاحتيالْ
ويحملون للعدا رُفاتَهُ مدفوعةَ الحسابْ
لأنهم يا مقلتي مَعَاولُ الفساد ، وجَوْقَةٌ تُعَبِّئُ السمومَ في الكُتبْ
منافقون يرفعون راية الرياءْ
و(ابن السَّلول) فارسٌ لديهمُ مُهابْ
وخلفه بين الجموع يُطفئ السنا (مُسيلمة)
وعنده (سجاحُ) تنسج الضلال ، وتنفخُ الجحيمَ فوق طلعة الهلالْ
و(الخير) في غياهب السُّجون ثابتُ اليقينْ
يستنصرُ المليكَ ، لا يخافُ مَن طغى
ولا يموتُ إن دعا موحدٌ إلهَه الأملُ
ولا تضيع عند ربنا أجورُ مَن عَمِل
ولا يُخيِّبُ المليكُ مَن دعاهُ مخلصًا
وعندما (أُمية) افترى ، دعا الجليلَ ضارعًا مستنصرًا (بِلالْ)
وربنا استجابَ للمُوحد المشردِ المعذب الأسيرْ
وأرسل (الصِّدِّيقَ) رحمةً يفوحُ مِن دُجى الهلاك عطرُها الجميلْ
والطاهرُ البريء «مخلصٌ» تلوكُه الذئابْ
يُخمِّشون في وحشية جراحَه ليشربوا الدماءْ
لم يَعْلموا مِن الكتاب آيةً تُوحد المليكْ
لم يفقهوا مِن الحديث رُوحَه مِن نبعه الأصيلْ
حتى إذا تكلموا اعتراهُمُ العَثَارُ والهُزالْ
لم يَعْرِفوا الحرامَ - ويحَهم - مِن الحلالْ
وبالشِّمَال يأكلون قُوتَ مَن غفا مِن القطيعْ
وبالشمال يشربون مَاء مَن علا نحيبُه المُريعْ
وبالشمال يَسْفكونَ عِزة العباقرة
كأنهم يا ويحهم على الذين أسلموا أكاسرة
كذاك هم تعودوا أن يَذْبحوا بعلمهم مروءةَ الرجالْ
لم يُدْركوا حقوق أهل المعرفة ، مِن الذين أدَّبوا الطغاة
والعلمُ في مجلَّداتهم له شَذًىً يَفوحْ
فهؤلاء لم يُدَلِّسوا لصالح العُتاة
ولم ينافقوا لنيْل درهمٍ زهيدْ ، أو مركبٍ فريدْ
لأنهم يا قومنا عِبادُ ذي الجلالْ
لم يأكلوا على حساب دينهم ، لم ينهبوا نَضَارةَ الهُدى
لم يشربوا دموعَ مَن يؤزُّهُ هجيرُ الانفعالْ
لم يعبأوا بما يزخرفُ الرعاةُ مِن صُنوف الاحتفالْ
ولم يُضللوا بما ارتأوه جيْلنَا المضيعَ الحقوقْ
ولم يُتوِّهوا يا مقلتي العَوامْ ، ولم يُلمِّعوا بالزيف غُرَّةَ المَقالْ
صاغوا الهدايةَ التي مِن السماء أُنزلتْ ، بإذن ربنا المليكْ
على الرسول المصطفى نَبيِّهِ الأمينْ
وأخلصوا ولاءهم للواحد القديرْ
وكان مِن لوازم السرور عندهم شهادةٌ عزيزةٌ يَسوقُها القَدَرْ
يزفها رضا الإله عن عباده بساحة القتالْ
تحمَّلوا العذابَ في سبيل ذلك الهدف ، وصاحبوا الشَّظَفْ
وشُرِّدوا وجُوِّعوا وزُلْزلوا ، وفي الجحيم أُهبطوا
وهذه (الأهواءُ) لا تُسْعِفُكُم ، ولا اعتبارَ (بالمخاذم) التي مِن خلفها النِّصالْ
ونسألُ الإلهَ أنْ يُعِيْنَنَا على التُّقى لأننا مُعذبونَ نشتكي
يا رب جُدْ على الدعاة بالهنا
ومُتعةِ الحياة في جِوار مَن أناب
ولذةِ الطعام والشراب في رطوبة الرخاءْ
وبَهجةِ النعيم في جوار مَن تشوقه القِيَم
ونخوةِ الإباء في نضارة النضالْ
وعزةِ المَضاء في التشامخ الجهيرْ
لأنهم يُبلِّغُون دعوة المليكِ مِن شروق شمسه إلى الزوالْ
و(صاحب الجمال) بينهم يقود جمعَهم في المَوكب الكبيرْ
مُعطرَ الجبين في يمينه يَراعةٌ تذودْ
وفي يساره دَوَاتُهُ ، والحِبرُ مِن دمهْ
وفي النُّهى إرهاصةُ العطاء تنفعلْ
وفي الفؤاد هِمّة تضاءلتْ بسَفحها الجبالْ
وفي الضمير عَزمةٌ يفوحُ مِن عبيرها الأريجْ
وفي ترفِّع العظيم (مخلص) تعففٌ بديعْ
وفي إبائه تعاظمٌ حماه عن تذلل العبيدْ
والنيل مِن شموخه مُحَالْ
لأنه فوق اليراع يحملُ الصعودَ للعُلا ، ويَرفعُ القرآنَ عاليا
وفوق رأسه دماؤه يبيعُها ، يريدُ جنة الكريم ربنا
يَبيعُ روحه رخيصةً ، كذا يبيعُ نفسَهُ ، والمُشتري هُوَ الرحيمْ
و(صاحب الجمال) بعد جولةٍ وجولةٍ وجولةٍ شهيد
يُودِّعُ الحياة والعَناءَ والشقاءَ والعذابَ والفَنَا
بإذن ربه سيدخل الجنانَ في دَلالْ
وسوف يشربُ الرَّدَى عدُّوه اللدودْ
ويسألُ المليكُ مَن يرشُّ لَحدَه بنارِ مَنْ بَغَى
وسوف تسقطُ الوجوهُ يومَها مِن ذِلَة السُّؤالْ
ف (صاحبُ الجمال) يا عِيالُ لمْ يَمُتْ
أقول ذلك الكلام كي تُخففوا هجومَكم ، وتَحْقِنُوا سُعاركمْ
أقوله لتلْفِظوا لحومَ أهل العِلم مِن بُطونكمْ
أقوله لتعلموا بأن مَنْ يموتُ في سبيل ربه يعيشْ
أقوله لتُقلعوا عنِ الجدال والعِراك والنقاش والمِحِالْ
أقوله ، ولا أخاف مَنْ يخصكم بماله الوفيرْ ، والمنصب الكبيرْ
ويُغرق العميلَ والخؤونَ والجَهولَ بالنوالْ
أقول: إن (صاحب الجمال) في عُيوننا مَصُونْ
كلامُه الصحيحُ في قلوبنا فداؤهُ المُهَجْ
بغيظكم موتوا وأعلنوا الحِدادْ
وكل مكر سيئٍ بأهله يحيقْ
وعند ربهم سيُجمع الخصومُ يا غثاءْ