ألم تر أن المجد أقوت معالمه
فأطنابه قد قوضت ودعائمه
هوى من سماء المعلوات هلالها
وخانت جواد المكرمات قوائمه
وثلت من الفخر المشيد عروشه
وفلت من العز المنيع صوارمه
وعطل من حلي البلاغة قسها
وعري من جود الأنامل حاتمه
أجل إنه الخطب الذي جل وقعه
وثلم غرب الدين والعلم هاجمه
وإلا فما للنوم طار مطاره
وما للزيم الحزن قصت قوادمه
وما لصباح الأنس أظلم نوره
وما لمحيا الدهر قطب باسمه
وما لدموع العين فضت كأنها
فواقع زهر والجفون كمائمه
قضى الله في قطب الرياسة أن قضى
فشتت ذاك الشمل من هو ناظمه
ومن قارع الأيام سبعين حجة
ستنبو غراراه ويندق قائمه
وفي مثلها أعيا النطاسي طبه
وضل طريق الحزم في الرأي حازمه
تساوى جواد في رداه وباخل
فلا الجود واقيه ولا البخل عاصمه
وما نفعت رب الجياد كرامه
ولا منعت منه الغني كرائمه
وكل تلاق فالفراق أمامه
وكل طلوع فالغروب ملازمه
وكيف مجال العقل في غير منفذ
إذا كان باني مصنع هو هادمه
ليبك عليا مستجير بعدله
يصاخ لشكواه ويمنع ظالمه
ليبك عليا مائح بحر علمه
يروى بأنواع المعارف هائمه
ليبك عليا مظهر فضل نصحه
يحلا عن ورد المآثم حائمه
ليبك عليا معتف جود كفه
يواسيه في أمواله ويقاسمه
ليبك عليا ليله وهو قائم
يكابده أو يومه وهو صائمه
ليبك عليا فضل كل بلاغة
يخلده في صفحة الطرس راقمه
وشخص ضئيل الجسم يرهب نفثه
ليوث الشرى في خيسها وضراغمه
تكفل بالرزق المقدر للورى
إذا الله أعطى فهو في الناس قاسمه
يسدده سهما وينضوه صارما
ويشرعه رمحا فكل يلائمه
إذا سال من شقيه سائل حبره
بما شاء منه سائل فهو عالمه
ليبك عليه اليوم من كان باكيا
فتلك مغانيه خلت ومعالمه
تقلد منه الملك عضب بلاغة
يقد السلوقي المضاعف صارمه
وقلده مثنى الوزارة فاكتفى
بها ألمعي حازم الرأي عازمه
ففي يده وهو الزعيم بحقها
براعته والمشرفي وخاتمه
سخي على العافين سهل قياده
أبي على العادين صعب شكائمه
إذا ضلت الآراء في ليل حادث
رآها برأي يصدع الخطب ناجمه
وقام بأمر الدين والملك حاميا
فذل معاديه وضل مراغمه
وقد كان نيط العلم والحلم والتقى
به وهو ما نيطت عليه تمائمه
ودوخ أعناق الليالي بهمة
يبيت ونجم الأفق فيها يزاحمه
وزاد على بعد المنال تواضعا
أبى الله إلا أن تتم مكارمه
سقيت الغوادي أي علم وحكمة
ودين متين ذلك القبر كاتمه
وما زال يستسقى بدعوتك الحيا
وها هو يستسقى لقبرك ساجمه
بكت فقدك الكتاب إذ كان شملهم
يؤلفه من دوح فضلك ناعمه
وطوقتهم بالبر ثم سقيتهم
نداك فكنت الروض ناحت حمائمه
ويبكيك مني ذاهب الصبر موجع
توقد في جنبيه للحزن جاحمه
فتى نال منه الدهر إلا وفاءه
فما وهنت في حفظ عهد عزائمه
عليل الذي زرت عليه جيوبه
قريح الذي شدت عليه حزائمه
فقد كنت ألقى الخطب منه بجنة
تعارض دوني بأسه وتصادمه
سأصبر مضطرا وإن عظم الأسى
أحارب حزني مرة وأسالمه
وأهديك إذ عز اللقاء تحية
وطيب ثناء كالعبير نواسمه