أبى الحرّ إلا أن يكون مخلَّدا
على رغم أنف الموت والدهر والعِدا
فما مات من كان الخلود مصيره
وخلّف طول الدهر ذكرًا مؤبدا
فكم فوق سطح الأرض حيٌّ كميّتٍ
وكم تحتها ميْتٌ يعيش مخلَّدا
فإنّ عظيم النفس يُرخص روحه
يموت ليحيا فيه شعبٌ ويسعدا
وما العمرُ للإنسان إلا كصيحةٍ
يزول المنادي ثم يبقى لها الصدى
أبا طارقٍ - واللهِ - أثكلتَ أمّةً
وخلّفت آلامًا وفتَّتَّ أكْبُدا
تفارقها والحزنُ ملء قلوبها
فكيف لهذا الخطب أن تتجلّدا
أبى الدهر إلا أن يوالي خطوبه
ويطفئ فيها كلَّ بدر إذا بدا
تسير وراء النعش خلفك أمّةٌ
تمنّت لتفدي عنك لو يقبل الفدا
فما كنتَ فردًا، إنما كنت أمةً
وما كنت نجمًا، إنما كنت فرقدا
فلا غرو أن تلقى الصليب مكللاً
يعانقُ في منعاك إكليل أحمدا
أبا طارقٍ، بالله كيف عزاؤنا؟!
وفيك فقدنا القلب والروح واليدا
فكنتَ لهذا الشعب دومًا منارةً
وشدت من الإخلاص صرحًا موطّدا
فكم قصفت تحت السماء مواقعٌ
لإرهاق هذا الشعب كي يتبددا
فصحتَ لأجل الحقّ صيحة غاضبٍ
وثرتَ بوجه الظلم تقتحم الردى
فعلّمتنا ألا تلين قناتنا
لغاصب حقّ أو لخطبٍ إذا بدا
فقد خُلِق الإنسان حرّاً مجردًا
فكيف يطيق الحرّ أن يتقيّدا
وثرتَ على الباغي وإنك أعزلٌ
فكنت لصدر الخصم سهمًا مسدَّدا
فكيف إذا أعطيت بعض سلاحه
لهرول مقهورًا ذليلاً منكّدا
وقاومتَ حتى الداء حلّ بأضلعٍ
وما فلّ منك الداء عزمًا ولا يدا
عدوين قد صارعت داءً ودولةً
شديدين لكن منهما كنت أجلدا
ولكنّ حكم الله لابدّ نافذٌ
فقوّض منك الداءُ ما أعجز العدا
فما مثل من يقضي الحياة ذليلةً
كمثل الذي يفدي الحياة ليخلدا
فنمْ هانئًا تحت التراب معظمًا
فصوتك فينا لن يزال مردّدا
فمن كان في الدنيا زعيمًا وسيدًا
سيحشر في الأخرى زعيمًا وسيّدا