ما للرِّمالِ بطاحُها خَضْراءُ
اتَنَصَّلَتْ من لونِهِا الصَّحراءُ
أنا لا أرى الكُثبانَ تجتاحُ المدَى
بالجَّدْبِ أو تجتاحُها الرَّمضاءُ
فهل استعارتْ حُلَّةً من سُندُسٍ
فإذا الفَيَافي جَنَّةٌ فيحاءُ
طَبعُ الطّبيعةِ أنَّها إن أخْصَبَتْ
ماجتْ على جنباتِها النَّعْماءُ
وسَجيّةُ الكُرماءِ أنَّ أكُفَّهُمُ
تُعطي فَيُعْدي سَيبُها المِعْطَاءُ
ورِمالُنا مُذْ صَافَحَتْ يَدَ زايدٍ
سالَ النَّضارُ بها وقَامَ الماءُ
فإذا السِّباخُ الماحلاتُ رويَّةٌ
وإذا البقاعُ المُقْفراتُ عَطَاءُ
رَجُلٌ خُطاهُ خُصوبةٌ أنَّى مَشَى
فالجودُ خلفَ رِكابه مشَّاءُ
فكأنَّهُ فيْءٌ له لكنَّهُ
أَبداً يُقيمُ وتَنطوي الأَفيَاءُ
ويداهُ دِجلةُ والفراتُ إذا سقى
بِهُما الخَليجَ فماؤُهُ شَجرَاءُ
زَعَمَ الأُولى شَنَؤوهُ أنّيَ مُسْرفٌ
مُتكلِّفٌ، وقصائدي إِطْراءُ
فأجبتُ لو عَرَفوا سجاياهُ ازدروا
شعري وقالوا عقَّهُ الشُّعراءُ
ورمُوهُمُ بالعيِّ فيما أنشدوا
وهُمُ قضاةُ الشِّعرِ والبُلغَاءُ
حَقُّ العظيمِ على النَّظيمِ قصيدةٌ
فيها تُزَفُّ الغادةُ العذراءُ
يا حاسدَيَّ وحَاسِديهِ أجَلُّكُمْ
دوني ودُونَ أميريَ الأُمَرَاءُ
أنا ما شأَوتُ بِدا حسي غبرَاَءكُمْ
بل بالَّذي تشدو له الغَبْرَاءُ
بالفارسِ الفرد الَّذي وقَفَاتُهُ
سَيْرٌ وأيْسَرُ سيرِهِ إِرْخَاءُ
فَتنَ الحَضَارةَ حينَ جَارى رَكْبَها
فإذا الحَضَارةُ في الرِّكابِ حِدَاءُ
في رُبْعِ قَرْنٍ شَادَ ما شَادَ الورى
في القَرْنِ نِعمَ القائدُ البنَّاءُ
نِعْمَ الإماراتُ التي نَعَمَتْ بما
أعلى فَأَدْنى صرْحِها الجَوْزَاءُ
إنَّ الإمارةَ عندهُ عملٌ به
تَعلو صُروحُ المَجْدِ لا اسْتِعْلاءُ
أمّا أبوظبي فقد كانتْ كما
تجري الرِّياحُ، وتعبثُ الأنواءُ
أعراشُها جزُرٌ مفرّقةٌ كم
نُثرَتْ بكفِّ الأعسمِ الحصباءُ
ونباتها نُتفٌ مبعثرةٌ كما
عَصَفتْ بريشِ نعامةٍ نكباءُ
حتى أتاها زايدٌ فتراصفتْ
أشتاتُها وتَقَارَبَ البُعَداءُ
وتناسَقتْ أشجارُها هُدُباً إذا
ما أرسلتها مُقلةٌ وَطْفاءُ
شَمَخَتْ كَفَارِسِها وفَوقَ شُمُوخِها
شرفٌ ينيفُ ونخوةٌ وإباءُ
المجدُ أن تُبنى البلادُ على التُّقى
لا موكبٌ فخمٌ ولا سُفراءُ
قالوا العُرُوبةُ أُمُ كُلِّ تخلُّفٍ
وبُناتُها الأَرزاءُ والأَدواءُ
والعُرْبُ كُلُّ العُرْبِ حيثُ لقيتَهمُ
في الخافقينِ جَهالةٌ جَهْلاءُ
فأجبتُهمُ وهَلِ التَّقدُّمُ قشرةٌ
حضريَّةٌ هي للفُسُوقِ رداءُ
إنَّ التَّقدُّمَ أنْ تُفجَّرَ عن غِنَىً
أرضٌ وتَشرَقَ بالعُلُومِ سماءُ
وتُشَادَ جامعةٌ ويسطعَ جامعٌ
بالفكرِ بعد الذِّكرِحين يضاءُ
شيخُ العُرُوبةِ زايدٌ أرسى لنا
أُسُسَ الحضارةِ فكرهُ الوضَّاءُ
عقلٌ كنورِ الشَّمسِ يُبصرُ بالهُدى
ماليسَ يُبصرُ بالنُّهى العُلَمَاءُ
أنَا مَا ذَكرتُ البَحرَ إلا ثَرثَرَتْ
بعدَ السُّكوتِ هواجسي الخَرْسَاءُ
وَمَضَتْ تُحدِّثُني عن المَدِّ الذي
يَطغى على الشُطآنِ حين يَشَاءُ
ويُخلّفُ السَّبخاتِ في أعقابهِ
بُركاً تجوبُ أُجَاجَها الأرزاءُ
حتى غزاها زايدٌ فإذا الثَّرى
دوحٌ يُظِلُّ وروضةٌ غنَّاءُ
وخمائلٌ من مَخْمَلٍ ديباجُها
لِينٌ تُرَوِّي هُدْبَهُ الأنداءُ
فإذا خطوتَ فقد وطِئْتَ قطيفةً
وإذا نظرتَ فخُضرةٌ وبهاءُ
وإذا تنسَّمَتِ الصَّبا فَنَسيمُها
ديِفَتْ على أعطافهِ الأشذاءُ
وَيحَ السِّياسةِ كم تُخادِعُنا كما
بِصِبَاغِها تتلوَّنُ الحِرْبَاءُ
إذْ يرتدي الزنديقُ أثوابَ التُّقى
ويُعَظَّمُ المسؤولُ وهو خَوَاءُ
ويُؤَلِّهُ العربيدَ مَنْ لجُيُوبِهم
في الحُكمِ لا لشُعوبِهم وُزراءُ
ويُصاغُ ألفُ اسمٍ لأرعنَ ناصبٍ
شَرَكَاً به تُتَصيَّدُ الآلاءُ
لكنَّ زايداً إزدرى ما زخرفوا
وسمَا فليسَ يَغُرُّهُ الَّلأْلاءُ
هُوَ والدٌ للشَّعبِ لا ملكٌ، لهُ
نُصُبٌ تُزانُ بِنَصبهِ الأحياءُ
وعَلامَ يُنصبُ في الشوارعِ من لهُ
في كُلِّ قلبٍ هيبةٌ شمَّاءُ
كم وَحدَةٍ دُفنَتْ لدُنْ وُلدَتْ فلم
يُرفَعْ لها فوقَ الرُّؤوسِ لواءُ
أو كُفِّنت عذراءُ يومَ زَفَافِها
بِثيابِها، فالأُغنياتُ بُكاءُ
أمَّا اتحادٌ كان فيه زايدٌ
للعِقدِ واسطةً فليسَ يُساءُ
بالحِسِّ لا بالدَّرسِ أَدرَكَ قلبُهُ
أنَّ العُروبةَ موقفٌ ومضاءُ
أنَّ العُروبةَ وحدَةٌ لا بُردَةٌ
يزهو بها في المحفلِ الخُطباءُ
فدعا الإماراتَ الَّتي ترنو لهُ
فَسعتْ وسَعيُ العاشقينَ وفاءُ
طافت به كطوافِ سبعةِ أنجُمٍ
بالشَّمسِ إنَّ طوافَها استِفتَاءُ
شيخَ العروبةِ طبعُ عصرِكَ نزوةٌ
وعداوةٌ، وضراوةٌ ضرّاءُ
فتَرَصُّدٌ للمُغوياتِ فنزهةٌ
فَتَصَيِّدٌ يزهو بِهِ الزُعماءُ
وتوسُّلٌ للمعتدينَ كأنَّنا
للناهبينَ كُنوزِنا أُجراءُ
فعَلامَ طبعُكَ نخوةٌ لا شهوةٌ
وتمتُّعٌ بالجودِ لا استجداءُ
أَقَدِمْتَ مِنْ عصرِ النبُّوةِ أم جرتْ
منها إليكَ الشِّرعَةُ السَّمحاءُ
شيخَ العُروبةِ للشِّيوخِ بيانُهُم
إن قابلوكَ فكُلُّهمُ نُدماءُ
سُبحانَ من جَمعَ الفضَائلَ كُلَّها
بك، كي يُحاكي فضلكَ الجُلسَاءُ
وليقبِسوا منك الضِّياءَ كأنَّهم
شُهُبٌ ووجهُكَ يا أميرُ ذُكاءُ
يُضفي على الدُّنيا المكارمَ بعدما
أضفى عليها الخِسَّةَ اللُّؤماءُ
ويبثُ في روحِ السِّياسةِ نفحةً
خُلُقيَّةً، فإذا الدَّهاءُ إباءُ
وإذا الثعالبُ ترعَوي عن مكرها
فطباعُها بعد الرِّياءِ حَيَاءُ
وإذا الزَّعامَةُ في ذَراكَ أُخوَّةٌ
لا قوّةٌ، يشقى بها الضُّعَفَاءُ
ورجولةٌ قد حمَّلتكَ هُمومَنَ
جَبَلاً، ينوءُ بِحملِهِ الأَكْفاءُ
أشَهَدْتَ غدرَ يَهُودَ إذْ رِيعوا بما
ساقاهُمُ أشبالُنا الشُّهداءُ
زحفوا بكلِّ جُنودهمِ وحديدِهمِ
و(جِنينُ) غايةُ زحِفهِم عَزْلاءُ
قصفوا وما رأفوا بِطفْلٍ وادعٍ
من قالَ أنَّ ذِئَابهُم رُحَماءُ
من قالَ أنَّ الغاصبينَ بلادِنَا
والسالبينَ تِلادِنا أُمَنَاءُ
كم جَوَّعُوا حتَّى أتى مِنْ زايدٍ
رِفْدٌ، ورِفْدُ الآخرينَ غُثاءُ
أكرِمْ بمنْ جعلَ الطُّفولةَ همَّهُ
وسواهُ أكبرُ هَمِّهِ الإِثْراءُ
هذا يُقيتُ الأبرياءَ بِقلبِهِ
وسواهُ أطيبُ زَادهِ البُرَآءُ
صقرٌ جناحاهُ إذا رامَ الذُّرى
إسلامهُ والهِمَّةُ العَرْبَاءُ
فَبِدينهِ القُدسيِّ يرقى ما ارتقى
مِنْ قَبْلِهِ أسلافُنا العُظماءُ
وبروحِهِ القوميِّ يبعثُ أُمَّةً
من رقدةٍ هي والفناءُ سواءُ
فتهُبُّ يقظى حين ينقَشعُ الكرى
عَنْ أعينٍ أحداقُها عَشْواءُ
عَنْ أُمَّةٍ أبصارُها معصُوبةٌ
برقابِ قادتِها فهمْ خُصَماءُ
فيبثُّ في أعطَافِها من قَلبِهِ
عَطْفاً به يَتَعانَقُ الفُرقاءُ
وتذوبُ أسلاكُ الحُدودِ، كأنَّها
زَبَدٌ نهايتُهُ سُدىً وجُفاءُ
إنْ يَغرُسِ الحُكَّامُ حولَ بلادهم
جُدُراً ليركَبَ شُمَّها الخُفراءُ
أو يَزرعوا في كُلِ طودٍ مرصَداً
ليُطِلَّ منه على الفَلا الرُّقباءُ
أو يحفروا في كُلِ وادٍ مكمَنَاً
ليغوصَ في أشراكِهِ الدُّخلاءُ
فأبو خليفةَ سُورُهُ العدلُ الَّذي
يُحمى به الغُرباءُ والقُرباءُ
فأبو خليفةَ سُورُهُ العدلُ الَّذي
يُحمى به الغُرباءُ والقُرباءُ
وحدُودهُ غابٌ من النَّخلِ الَّذي
شَمَختْ على هَاماتِهِ الأَقْناءُ
ليُصيبَ منها العابرونَ إذا سَرَوا
والعائدونَ بِفَيِئْها إن فاؤوا
أَتُراهُ لقَّنها النَّدى مُذ أَثْمَرَتْ
فَثِمارُها للمُجتَدينَ غِذاءُ
لم ألقَ ظِلاً مثلَ ظِلِّكَ وارفاً
والنَّاسُ في أكنَافِهِ شُركَاءُ
أَشْرَافُهم وضِعَافُهم ورِجَالُهم
ونساؤُهم والجِندُ والفُقهاءُ
ولكلِّ قومٍ من حِمَاك َ حِمَايَةٌ
ومِنَ النَّدى أُمنيَّةٌ زَهْراءُ
إنْ حَدَّثَ الفُقهاءُ شَعَّ حديثُهُم
نُوراً ليشربَ صَفْوَهُ الأصْغَاءُ
والمعسرونَ يرَونَ عنَّدكَ يُسْرَهُمْ
والبُرءَ يرجو عندكَ الزُّمنَاءُ
حتى المَعُوقُ إذا يَزِلُّ تُقيلُهُ
من عثرةٍ فإذا السَّقامُ شِفَاءُ
فَتُقيمهُ، وتقيمُ بُغيَةَ صونِهِ
نُزُلاً يُيَمِّمُ شَطْرَهُ النُّزَلا
أمَّا العقولُ فدوحةٌ ما أثمرَتْ
إلاَّ وأنتَ الفارسُ السَّقاءُ
كم شِدتَ جامعةً لهنَّ ومَعْهَدَاً
فإذا الدَّياجي ليلةٌ قَمراءُ
وإذا النُّجومُ العِلمُ تُطلِعُها النُّهى
أنَّى تَرامتْ بالنُّهى الأَنحَاءُ
آمنتَ أنَّ الدِّينَ والدُّنيا مَعَاً
إلفانِ لا تغشاهُما البَغْضَاءُ
فجَمَعتَ بينهما وقُلتَ تحاورا
فتحاورا فإذا الحِوارُ إخاءُ
وكلاهُما لِكلَيْهِمَا دِرْعٌ إذا
شُنَّتْ علينا غارةٌ شَعْواءُ
وكلاهُما يحمي الشَّبابَ من الخِنى
إن تَفْشُ عولمةٌ ويطغَ بَغَاءُ
قالوا الإماراتُ التي وَحَّدْتَها
هيَ كالهِلالِ وللهِلالِ نَمَاءُ
فمتى نَرى البدرَ التَّمامَ فقُلتُ إنْ
صَفتِ السماءُ لهُ وحَانَ قَضَاءُ
وتَبدَّدتْ أطْمَاعُنا، وتَوحَّدَتْ
أَصْقَاعُنا، وتَعَانَقَ الفُرقَاءُ
وتَذَوَّقَ الشُّبانُ حِكْمَةَ زايدٍ
شَيْخِ العروبةِ، وارعَوَى السُّفهاءُ
أو أيقنوا أنَّ الزَّعامةَ حِكْمَةٌ
وكِفَايَةٌ، ورِعَايةٌ وسَخَاءُ
وتعلُّقٌ بالضَّارباتِ جُذورُهَا
في أَرضِنَا وعقيدةٌ عَصْماءُ
لا بِدعةٌ شَوْهاءُ، بَهْرجَها الخِنَى
كيما يُعولِمَ شَعْبَنا الغُربَاءُ
من نُصفِ قرنٍ وابنُ لَندنَ شاهدٌ
والفضلُ ما شهدتْ به الأعداءُ
أنَّ المآثرَ كُلُّها في زايدٍ
جُمِعَتْ فلا حَذْفٌ ولا اسِتثنَاءُ
زَرَعَ المحبَّةَ والمهابةَ في الورى
وهمُ بتلكَ وهذهِ سُعَدَاءُ
فإذا جَنَى فجُناهُ بِرٌّ خَالِصٌ
وجنى سواهُ تَزَلُّفٌ ورِيَاءُ
إن رُمتَ مرْحَمَةً رَعَتْكَ ظِلالُهُ
وترَحَّلتْ عن ربْعِكَ البُرَحَاءُ
أو شِئْتَ ملحمةً فأيُّ غَضَنْفَرٍ
هو في اللِّقاءِ إذا أُتيحَ لقاءُ
وإذا استغثتَ بِهِ أغَاثَكَ قَبلَ أنْ
يَفْنى الصَّدى وتلُفُّه الأمْدَاءُ
أرأيتَ كيف حمى العراقَ،ولم يَهَبْ
تهديدَ من ساؤُوا العراقَ وناؤُوا
منْ بَعدِ ما أَشْلى الغُزاةُ كِلاَبَهُم
فَعَوتْ ودونَ نُيوبِها الأشْلاءُ
ودَمُ الصِّغارِ يَسيلُ منها مُعْلِنَاً
أنَّ الحَضَارةَ عِنْدَّهُمْ إِفْنَاءُ
أنَّ الهنودَ الحُمرَ إن لم يُمْحَقَوا
في الرَّافدينِ إربَدَّتِ الأجْواءُ
أَنَّ الوجوهَ السُّمرَ إنْ لم تنطفئْ
لم تَشتَعلْ بسِعَارِها الحَمْراءُ
حتى انبرى الشَّيخُ العظيمُ لإِفْكِهِمْ
فَإذا الضَّوَارِي كُلُّها بَكْمَاءُ
وإذا الفِرَاخُ الزُّغبُ أَفْرَخَ رَوْعُها
وتَطَامَنتْ وانجَابَتِ الَّلأواءُ
أَسَمِعتَ أصداءَ الغُزاةِ تَموجُ في
أُفُقِ الجنوبِ كأنَّهُنَّ عُواءُ
وإذا الفِرَاخُ الزُّغبُ أَفْرَخَ رَوْعُها
وتَطَامَنتْ وانجَابَتِ الَّلأواءُ
أَسَمِعتَ أصداءَ الغُزاةِ تَموجُ في
أُفُقِ الجنوبِ كأنَّهُنَّ عُواءُ
رَحَلوا بليلٍ بعدمَا رحَلَ الكرى
عنهُمْ فلا أَمْنٌ ولا إِغْفَاءُ
هابوا اللِّقاءَ، فخلَّفوا ألغامَهُم
وكذا يُحاربُ في الوغى الجُبنَاءُ
هَرَبوا وآلَمَ زايداً أنْ يَهْرَبوا
ووراءهمُ طَيَّ التُّرابِ بَلاءُ
أَنْ يَسقُطَ الأطفالُ من ألغامِهِم
صَرْعَى وتُبتَرُ غِيلَةً أعضاءُ
فأغاثَهُم والغُوثُ فيه فِطْرَةٌ
لا المَنُّ يُبطِلُهَا ولا الإِيْذاءُ
فَأوَى الصِّغارُ إلى ظِلالِ جَنَاحِه
فكأنَّهُ جَدٌّ وهُمْ حُفَدَاءُ
من ظنَّ أن الجودَ فيه سَجيَّةٌ
ماخَابَ لَكنْ فَاتَهُ الإِحْصَاءُ
ومن الَّذي يُحصي النُجُومَ إذ بَدَتْ
وتفَطَّرتْ عن دُرِّها الظَلْماءُ
و أبو خليفةَ فيهِ ألفُ فَضِيلةٍ
تُملي وشِعْرُ المُبدعِ الإِمْلاءُ
وأَحبُهُنَّ إلى القَصِيدِ شجاعةٌ
عَزَّتْ به وبِعزِّهَا البَيْدَاءُ
وَجَدَ السِلاحَ إلى الطِّماحِ مطيَّةً
تُزْجَى فأسْرَجَها لَهُ الإِزْجَاءُ
فاختَارَ أرهفَهُ ظُبىً، وأشدَّهُ
بَأْسَاً إذا ما اشتَدَّتِ البَأْسَاءُ
فَالطَّائِراتُ تَضُجُّ مِلءَ سمائِهِ
والدّارِعاتُ مَرَادُها البَطْحَاءُ
لله أنتَ أبا خليفةَ لم تزلْ
ترنوا إلى عليائِكَ العَلْيَاءُ
فتَزِلُّ عنكَ حَسِيرَةً ومن ارتقى
ما تَرْتَقيِهِ، فما لهُ نُظَرَاءُ
كَمْ مِنْ ذُرى جَاوزْتَها فَكَأنَّها
تَحتَ الَّتي جَاوزْتَها أودَاءُ
وكأنَّما سَابقْتَ نَفسَك حِينَمَا
لم يَعْدُ قُربُكَ في المدى عدّاءُ
إنَّ العِرَابَ إذا تواتَرَ جريُها
نَكصَتْ على أعقَابِها الأفْلاءُ
فَاسْلَمْ لنا لِلشَّعْبِ لِلعَرَبِ الأُلى
هُرِعُوا إليكَ وفي الشِّفاهِ دُعاءُ
للمُسلمينَ القادمينَ يَشُدُّهُمْ
شَوقٌ إليكَ وبيعةٌ وَوَلاءُ
واليومَ يا شيخَ العُرويةِ أرضُنا
للطامعينَ الجَفْنَةُ الكَومَاءُ
وعراقُنا نُهبى، تقاسَمَ ماءَهُ
وسَماءَهُ وثراءَهُ الحُلَفَاءُ
والقُدسُ قد سُبيتْ وما فُديتْ،فَمَنْ
يفدي العَفَافَ إذا استطال سَبَاءُ
مَنْ للأُلى سُحُبُ السَّماءِ غِطَاؤُهُم
والأرضُ من تحتِ الجُسُومِ وِطَاءُ
من للأُلى تغدُوا قبوراً دُورُهُم
فكأنَّهم موتى وهم أحْيَاءُ
من لِلأرَامِلِ، واليَتَامى بَعْدَمَا
عَاثَ الذِّئابُ بهم ومَاتَ رِعَاءُ
لَمْ يبقَ بعد اللهِ غيرُكَ كُلَّما
عَصَفَ البلاءُ وأعْرَضَ الكُبرَاءُ
إنَّ الطريقَ إلى الخُلودِ مُظَلَلٌ
بالصَّالحاتِ وبِالجِهادِ مُضَاءُ
وأبو خليفةَ ما انثنى عن ساحةٍ
فيها لِصَدِّ الظَّالِمينَ رِمَاءُ
والشّيخُ ينهضُ للجهادِ بِمَالِهِ
إنْ أعْجَزَتْهُ الصَّعدةُ السَّمراءُ
فبهِ الرِّباطُ لِمنْ تقاصَرَ عزْمُهُ
دُونَ الرِّباطِ وغَابَ عنهُ فَتَاءُ
أعطى ويُعطي الزَّاحِفينَ إلى الوغى
والبَاذِلينَ دِمَاءَهُم ما شَاؤوا
جَازَ السِّنينَ مُظفَّراً لو جَازَهَا
جَبَلٌ تضَعْضَعَ أو عَرَاهُ وَنَاءُ
قد جَازَها وهُمُومُ أُمَّتِهِ على
كَتِفَيهِ لا شَكْوى ولا إِعْيَاءُ
أَ أَبا خليفةَ طَالَ عُمرُكَ قُلتُها
والكونُ مثليَ ضَارِعٌ دَعَّاءُ
أَنْ لا تَرى غَيْرَ السُّرورِ مُرَافِقَاً
لكَ في الحَياةِ، وحولَكَ الأَبْنَاءُ
أن تُبصرَ الشَّعبَ الَّذي ربَّيتَهُ
يَقْفُو خُطَاكَ وما بِهِ خَطَّاءُ
أَنْ يُؤتيَ العِلْمُ الثِّمارَ وأَصْلُهُ
مِمَّا غَرَسْتَ فَسِيلَةٌ خَضْرَاءُ
أَنْ يَشْمَخَ البُنيانُ شَمْخَةَ مَسْجِدٍ
تَحْنُو عليهِ القُبَّةُ الزَّرْقَاءُ
وأَجَلُّ ما يَبني العِظَامُ بنيَّةٌ
هي للتُّقى لا لِلفَخَار بِنَاءُ
لا ما بَنَى خوفو على جُثْمَانِهِ
خَوْفَ الفَنَاءِ أَما طَوَاهُ فَنَاءُ
للهِ شِدْتَ وما تَشيدُ وفي غَدٍ
يُهدى إِليكَ مِنَ الإِلَهِ جَزَاءُ
منهُ الثَّوابُ ومنهُ يُلتَمَسُ الرِّضى
فهو الغَنيُّ، وكُلُّنا فُقَرَاءُ
وعلى النَّبيِّ صَلاتُنا وسَلامُنا
ما غَرَّدتْ في أيكةٍ ورْقَاءُ
فهو الشَّفيعُ لنا إذا ما قَصَّرتْ
أعمالُنا وتَعذَّرَ الشُّفعاءُ
وهو النَّصيرُ إذا التَوتْ أقدامُنا
فَوقَ الصِّراطِ وخَانَنَا النُّصَرَاءُ
فهناكَ يُصبحُ ما عَمِلْتَ مِظَلَّةً
والشَّمسُ فوق الحَاسِرينَ غِطَاءُ
وهناكَ تَحْصُدُ ما زَرَعْتَ هُنا وهَلْ
بعدَ الهَنَاءةِ في الجِنَانِ هَنَاءُ