أجارَتَنا إنّ المزار قريبُ
وإني مقيمٌ ما أقام عسيبُ
أجارتنا هُنّا وكانت ربوعُنا
مسيرةَ شهرٍ طلعهنّ خصيب
تناوبها إعصار رأيٍ متى بدا
وجدت عقولَ الراشدينَ تغيب
أقمنا بها حتى توالت حوادثٌ
رأيتُ لها وجهَ الغراب يشيب
صبرتُ عليها حِقبةً إثر حقبةٍ
يعاونني في دفعهنّ حبيب
إلى أن طواه الموت بعدَ عشيَّةٍ
قضينا بها ما نشتهي ويطيب
وكنّا على الآكامِ نلهو بملعبٍ
يطلّ علينا للعَفاف رقيب
أجارتَنا كنّا مع النّجم نلتقي
وكنّا عليهِ ننتشي ونثوب
ولكنّها الأقدارُ سنّت شريعةً
من الغيبِ لم يُقرأْ لها مكتوب
أجارتَنا دنيا على الهمِّ تنطوي
ويبقى عليها عابدٌ ومُريب
فوا عجبًا تعمى علينا أمورُها
وفي كلّ قلبٍ للبلاء نُدوب
تشتّت شملاً بارك الحبُّ صَفوهُ
وتجمع ما بين العُداة دروب
أجارَتنا حظّي من العيش خانني
وضاق عليَّ الكون وهْو رحيب
فما حيلةُ المنكوبِ إن ساء حظُّه
سوى اليأسِ ممّا قد عساه يجيب
أجارَتنا قد فرّق الموتُ بيننا
فهل للقا بعد الفناء نصيب
وها أنذا يا جارتا الركبُ حطّني
ومثواك مرماه السهامُ تصيب
أجارَتنا سقمي من الهمِّ والأسى
وليس لعلاّت الهموم طبيب
أجارَتنا حسبي من الأرض مضجعٌ
تميل عليه الشّمس حين تغيب
أجارَتنا إنا غريبان ههنا
وكلُّ غريبٍ للغريب نسيب
يقولون إن الموت حالٌ تُحيلنا
إلى الخلدِ لكنّ الطريقَ رهيب
فيا ربِّ لولا الموتُ ما كنت أهتدي
إليك وما كان الضّليلُ يتوب
ويا ربّ هذا بعضُ ما بي من الأسى
وتعلمُ ما أخفي وأنت حسيب