تخطَّ إلى المحتوى

شتان ما بيني وبينك يا رفيق

غير معروف

١٠٥ بيت

الحماسة

شتان ما بيني وبينك يا رفيقْ ..

ضدان نحن على المدى

في واحدٍ يتصارعانِ ،

وهذه رغباتك الدنيا تفرق بيننا

وتظل نفسُك دائماً

أمَّارةً بالسوء تتبعها إلى ما لا نهايةَ ،

أيها العبد الرقيقْ .

ما زلتَ تحلم ،

أن تكونَ " الدونجوفاني " في زمانكِ ،

أن تمثِّل دور نجم الفيلم أو ،

شخصيةَ البطلِ العشيقْ .

ما زلت تهوى عالم الأزياءِ ،

تلبس آخر الموضات في الدنيا

كأنك في مسابقةٍ ،

يفوز بكأسها الرجلُ الأنيقْ .

ما زال وقتك ضائعاً وموزعاً

بين المسلسل والمباراة التي سيخوضها

أو خاضها ذاك الفريقْ .

ما زلتَ تزعجني

برغبتك الشديدة والملحَّةِ ،

في القيام بكل شيء ليس من طبعي

ولا هو بالذي مثلي يليقْ .

ما زلتَ أنت كما عهدتكَ ،

منذ أن ولدتك أمُّك لا ترى

من هذه الدنيا سوى لمعانِها

وبريقها الفتّان والمغري

ويفتنك البريقْ .

شتان ما بيني وبينك يا رفيقْ .

في كل شيءٍ ، نحن مختلفان تقريباً

أرى ما لا تراه وقد ترى

ما لا أراه أنا

وفيما بيننا وادٍ سحيقْ .

هل يستوي من يطفئ النيرانَ عن بُعدٍ ،

ومن هو مكتوٍ بلهيبها ،

ومحاصرٌ وسط الحريقْ .!؟

هل يستوي من يلعب الشطرنجَ ،

فوق شواطئ البحر الجميلة والغريقْ .؟!

هل تلتقي المتوازياتُ ، ولو مددناها

بمنتصف الطريقْ .؟

كلاَّ .. !

ولا يتشابه الصقرانِ هذا بيته قفصٌ

وذلك في السما حرٌ طليقْ .

شتان ما بيني وبينك يا رفيقْ .

فأنا هنا ..

ما زلتُ مسكوناً بروح الأمسِ ،

أبحث عن مكاني فوق سطح الأرضِ ،

فوق الشمسِ ،

ما زالت يدُ الماضي تسيِّرني

وتحكم كل أفعالي وأقوالي

وأعرف ما أطيق ولا أطيقْ .

ما زلت أذكر يوم مات أبي ،

على أيدي اليهودِ ،

وكيف عشت طفولتي

أيامَ كان الناس في فقرٍ ،

وفي عوزٍ وضيقْ .

ما زلت أذكر أنني

في ذات يومٍ جُبتُ قريتَنا

لأبحث عن رغيفٍ زائدٍ

أو ما تيسَّر من دقيقْ .

ما زلت أذكر كم مشيتُ ،

على شواطئ بحرِ غزةَ ،

حافيَ القدمينِ ،

أنظر علَّ صياداً مضى مستعجلاً

ومخلَّفاً بعضاً من الأسماكِ ،

آخذها لوالدتي

فتحضنني

مربِّتةً على كتفيَّ تعبيراً

عن الشكر العميقْ .

ما زلت أذكر كل شيء جيداً

وأرى بعين الطفلِ مأساتي التي

قد لا يراها المجهر العصريُّ

بالشكل الدقيقْ .

ما زلتُ مسكونا بروح الأمس ،

أكتب قصتي مع الاحتلال

وما كتبت قصيدةً

متغزلاً بعيون إمرأةٍ ،

ولا بقوامها الغض الرشيقْ .

لو كانت الأشعارُ ،

تفعل فعلها في الناس

كنت نثرتها

في الشارع العربي حتى يستفيقْ .

وجعلتها ناراً على المحتلِّ ،

تحرق جلدهُ ، وبه تحيقْ .

شتان ما بيني وبينك يا رفيقْ .

في كل ثانية وكل دقيقةٍ ،

وطني معي ..!

ومع الزفير إذا زفرتُ ،

وإنْ شهقتُ مع الشهيقْ .

وطني .. هواياتي وأحلامي

ونافذتي على الأشياء والدنيا

وسرُّ علاقتي بالكونِ ،

والزهرُ الذي منه الشذا الفواحُ ،

يعبق مالئاً قصبات صدري ،

والرحيقْ .

وطني .. هواىَ وأغنياتي الرائعاتُ ،

وما قرأت وما سأقرأُ ،

ما كتبت وما سأكتبه غداً

من أعذب الكلمات والشعر الرقيقْ .

وطني هو البيت الذي ،

أهفو إلى أركانه ،

وكأنه " البيت العتيقْ " .!

وطني أمامي ..

حيثما ولّيتُ وجهي دائماً ،

فانظرْ أمامكَ ..

لن ترى إلا سراباً يا رفيقْ .!