جل المصاب بفقد عبد القادر
ويح البيان على المبين الساحر
الباحث المنطيق في تاريخه،
الملبس الماضي لباس الحاضر
الناقد الأنباء نقد صيارف،
الوازن الآراء وزن جواهر
المستعين على السياسة بالحجى
والعلم، والقلم القويِّ القاهر
والحجة العليا التي ما طأطأت
يومًا لمنتقم ولا لمناظر
الدارس الأيام درس مجرب
يلقاه باطن سرها كالظاهر
الصابر المزجي الخطوب بصبره
حتى يزلن، ونعم أجر الصابر
الباذل الدنيا على علم بها
في اليسر والإعسار، بذل مسافر
المستعز بوحدة الأسد الذي
يأبى التجمع في القطيع النافر
الراسخ الجم الوقار، بغير ما
عَنَتٍ يصيب ملالة من زائر
الصامت النزر الكلام بغير ما
حصر يعيب، ولا كلالة خاطر
الوداع السهل الطباع بغير ما
سلس لباغ، أو مهابة آمر
الصاحب المبقي على أصحابه
ما بين وافٍ منهم أو غادر
الوالد البر الرفيق بولده
وبآله رفق العليم الشاعر
الثائر الوطني في ميدانه
عجبي له من مستقر ثائر
الصارم الماضي السلاح وعنده
بعد ارتداد السيف عتبى عاذر
عرف الحقائق فاستراح جنانه
من سرعة الشاكي وبطء الشاكر
ووعى عواقبها فلم يَعِ صدره
بغضًا لمعتقد ولا لمكابر
علمي به علم المطالع زاده
علم على بعد، وعلم معاشر
كم مرَّ من يوم ضحوك بيننا
أو مرَّ من يوم عبوس كاشر
خضنا الحياة معًا على علاتها
متلاحقين مع الشباب الباكر
وجرى يراعانا معًا في حلبة
عَزَّتْ على غير الطمرّ الضامر
ذكراه والأيام عابرة بنا
نعم العتاد لذاكر ولعابر
ذكرى القشيب من الشباب تزينها
ذكرى المشيب من الجهاد الظافر
عهدان من عمْرين لو نُسجا معًا
لم تدر أيهما مكان الآخر
يا يوم منعاه سبقت بمنذر
في الصدر من وحي الهواجس صادر
يوم لمست النحس قبل صباحه
وطويت فيه على الهموم ضمائري
ومشى النهار إليَّ منقبض الضحى
كالليل، مِشية مستكين عاثر
حُيّرت فيه، فحين زالت حيرتي
زالت بأفدح من ظنون الحائر
بذهاب نابغة ومصرع غالب
وختام عهد بالعظائم عامر
وفجيعة لا كالفجائع في أخ
وزميل أقلام وصنو منابر
تمضي السنون وفي الصحائف صفحة
تبيضُّ فخرًا، وافتقاد محابر
ما كان خط مداده في طرسها
إلا بياض جبينها المتباشر
أسفي عليها وهي لابسة له
ثوب الحداد من البياض الشاغر
وعزيزة للنابغين نظائر
في الشرق تتلى بعدهم بنظائر
فإذا بكى الباكي عليه فإنما
يذري الدموع على عزيز نادر
وإذا جزيناه الوفاء فبعض ما
وفَّى الحقوق لحاضر ولغابر
إن الذي حفظ العصور بذكره
حقٌّ له ذكرى الثناء العاطر
وتراث عبد القادر الباقي لنا
فيه البلاغ لقارئ ولذاكر