حيَّا الجزيرةَ هطّالٌ من السحبِ
جزيرةَ العَرَبِ العرباءِ في النسبِ
ولا يزال النَّدى يجري بها غدِقًا
ولا يزال الهدى في أهلها النُّجُب
وأخصَبَ الله بالخيرات تُرْبتَها
ملءَ المرابع والساحات والرَّحَب
وعَمَّ بالأمن فيها كلَّ ناحيةٍ
حمايةً منه للأنْسال والنشَب
وبصَّر اللهُ أبناءَ الجزيرة في
حفْظِ الجزيرة من عادٍ ومُغتصِب
من كل ذي طمعٍ بالشرِّ يقصدُها
أو كلِّ ذي جشعٍ أو كل ذي كَلَب
وأرشدَ الأمراءَ القائمين بها
أهلَ ا لمكارمِ أهلَ المجد والحسب
لِلاعتصام بحبلِ الله قاطبةً
ونَبْذِ ما بينهم من تِلكُمُ الرِّيَب
وألَّفَ اللهُ بين العُرْب أجمعِهم
تأليفَه بينهم في سالف الحِقَب
وكفَّهم عن دواعي ما يُفرِّقهم
من التنازع بين الويلِ والحَرَب
ورَدّ ما كان من عزٍّ ومن شرفٍ
ومن معالٍ ومن أُفْقٍ ومن شُهُب
وصانَ أقوامَهم من كل نازلةٍ
وصانَ أوطانَهم صَوْنًا من النُّوَب
وردَّ أخلاطَ سوءٍ ما تُكفكفُ عن
صيّابة الأممِ المحفوظَةِ النَّسب
ما أمةُ المجدِ في التاريخ أجمعِه
- إن يُذكَرِ المجدُ - إلا أمةُ العرب
سيرة العرب العالية في الأيام الخالية
يا أمةَ بَزَّتِ الأقوامَ من قِدَمٍ
في الأصْلِ والنُّبلِ والأخلاقِ والأدب
وبالحفاظِ على الأعراضِ قد عُرفتْ
وبالمكارم والأمجاد والرُّتب
وبالمروَّة والإنجاد قد رُفعَتْ
وبالوفاء وبالأفعالِ والدَّأَب
وبالإباء وبالعزم القويِّ على
حفظِ الجوار ورعي الجار في اللَّزَب
وبالبسالة والرأي السديد عَلَتْ
ذُرى المعالي بلا عُجْبٍ ولا عجَب
حازت خصائص جُلَّى أشرقتْ فبدَتْ
منها نجومُ السنا العالي من الحسب
يا أمّةً شرفتْ من يوم ما عُرفت
بين الأنام بلا مَينٍ ولا كذب
في كل أطوارها بين الورى عظُمتْ
للجدِّ ماشئتَ، أو ماشئت للعب
في جاهليّتها الأولى وقد عكفت
على التماثيل والأصنام والنُّصُب
كانت لديها خصالٌ جمَّةٌ كرمتْ
في نفسها دُفِنتْ كالتبر في التُّرب
وفي الهداية والتوحيد مذ دخلت
في الدين واعتصمت في أوثق السبب
قامت بنُصرة دين الله طائعةً
فأدركتْ أَرَبًا ناهيك من أرب
وفي البداوة إذ كانت محافظةً
على مِراس الرماح السُّمْر والقُضُب
كانت كسدٍّ حديدٍ ليس يَحْطمه
حَطْمٌ وكانت شعوب الأرض كالخشب
وفي الحضارة مذ تمّت محاسنُها
واستأثرت في الورى بالإسم واللقب
طارت مكارمُها طيرَ الرياح على
أفْق الممالك تُزجي الخيرَ كالسُّحُب
وفي التمدّن مذ أرست تمدنها
على قواعده من عصرها الذهبي
بنت على الأرض أطوادًا رواسخَ من
ممالك العلم والعرفان والأدب
فإن تُرِدْ علمَ ما فاقت وما سبقت
به الأناسيَّ من جدٍّ ومن دأب
فاستنطقِ الكُتْبَ عنها إنها حفظتْ
في الخالدين من الآثار والكتب
دعاءٌ وابتهال
يا مالكَ الملْكِ يا من لا شريكَ له
يا منعمًا بالرضا يا كاشف الكُرَب
الطُفْ بنا واهدنا وافتحْ بصائرنا
وعافِنا واعفُ عن أوزارنا وتُب
وامننْ علينا وألِّف بين أمَّتِنا
فإن أمتَنا جسمٌ بلا عصب
واعطفْ فريقًا من السادات مجتنبًا
على فريقٍ من السادات مُجتنِب
واجعلهمُ إخوةً في الدين تجمعهم
أواصرُ الدين في الحُضَّار والغِيَب
رُحماكَ، رحماك أنقذْ قومَنا وقِنا
ذلَّ الحياة وأرجعْ عزَّنا وهَب
ووفِّق العرَبَ الباقين واهدِهُمُ
إلى سبيلٍ سويٍّ غير ذي نَكَب
وارزقْ قبائلهم إقبالَ أنفسِهم
واجعل عصائبَهم من خيرة العصب
أنزلْ عليهم غُيوثَ العفوِ هاميةً
من كل مُنسكبٍ في إثْرِ منسكب
ونجِّهم واهدهم والطفْ بهم وقِهِم
من الضلالِ وأنقذْهم من العطب
لو لم يكُ العُرْب أقوامَ النبيِّ لما
بقوا على ما لقُوا في الدهر من نُوَب
عاشوا كما عاش «إبراهيمُ» معجزةً
في حين ترميهمُ الأقدارُ في اللهب