خليليَّ ما تلك القبابُ التي تجلو؟
فقد لاح منها ما به يذهل العقلُ
تراءت على بعدٍ فعاودني الصِّبا
وهيّج لي التّذكارُ ما كان لي يحلو
تهادي سرورًا والهمومَ تذودها
كما تفعل الصّهباء لو فاتها الخبل
وتمنع من وافَاه رونقَ حسنِها
مِنَ انْ يلتوي عنها ولو شانها المحل
بعيدٌ عن الآفاتِ من حامَ حولها
فلا ضيمَ يخشاهُ ولا ظالمٌ نذل
إذا ما علته الطّيرُ ظلّتْ سواكنًا
كأنّ جناح الطّيرِ أوثقهُ الكبْل
تظلّ حيارى من غرائبِ صنعِها
وإن تَركت أفراخَها ما لها أكل
متى أمَّها الرّامي وأوترَ قوسَهُ
وحقّق فيها الرّميَ طاش له النّبل
كذلك جارُ الأكرمين ممنّعٌ
مصونٌ عن الأعداءِ ما نيله سهل
ومن بينها حسنٌ تراءى لناظري
مشيّدةٌ أركانهُ شاده العدل
فيمّمتُهُ حتّى وقفت تجاههُ
وأيقنتُ أنّ الحصنَ ليس لهُ مثل
[فناجتني] نفسي أنّني الآن واقفٌ
أمام الذي يمناه بالجود تنهلّ
مشير أبي العبّاس من طار صيتُهُ
فعمَّ البرايا والكرامُ له تتلو
إمامٌ همامٌ سيِّدٌ خضعت له
رقابُ الألى ما كنّ يخضعن من قبل
فتوَّجهم تاج الرِّضا وأنالهم
مقاماتِ عزٍّ شامخاتٍ بهم تعلو
ولو أعرضوا أو خالفوا لأذاقهم
كؤوسَ المنايا صاغرين وإن جلّوا
فجِدُّهُ مرٌّ علقميٌّ مذاقُهُ
مهابٌ إذا قابلتَه العقلُ يختلّ
فحاذرْ إذا جئتهُ حين جدِّهِ
وبادر إليه ريثما يُشتهى الهزل
خبيرٌ بأعقابِ الأمورِ وسرّهُ
مصونُ صدورٍ لا يُحَلّ لها قفل
وكم لَهُ من فخرٍ وفضلٍ وسؤددٍ
وفعلٍ جميلٍ لا يحيط به القول
فأحيا رسومَ العلمِ بعد اندراسِهِ
ودحْض أهاليهِ وقد سامه الخذل
فعمَّرَ سوقَ العلمِ واغتصّ جمعُهُ
وسارت له الرّكبانُ والتأم الشّمل
وجاء لنَيلِ العلمِ من كلّ جانبٍ
وأقصى مكانٍ لا عياءٌ ولا هزل
وكانت نفوسٌ جامحاتٌ فأصبحت
له جانحاتٌ والمرارةُ قد تحلو
وبادرَ للتّعليمِ ناءٍ وحاضرٌ
غنيٌّ وذو فقرٍ صحيحٌ ومعتلّ
وشوّقهم للعلمِ رغْبًا وساقهم
عطاءٌ جزيلٌ وافرٌ صوبُهُ وبل
ونوَّر بيتَ اللّهِ بالعلمِ إذ حوت
مصابيحَ علمٍ تُستضاء بها السُّبْل
وأتحفهُ من نَيلِهِ بعرائسٍ
عرائسِ كتْبٍ لا سعادٌ ولا عبْل
مُصَدَّرةً تسبي العقولَ بحسنها
متوّجةً في ضمنها الصّعبُ والسّهل
وفيها فنونٌ يفتُرُ العقلُ دونها
يحاولُها مَنْ وصفُهُ الحِذْقُ والنّبل
وأغراهمُ شوقًا وأوقدَ عزمهم
وأورثهمْ خيرًا مرتّبُهُ الجزل
فأكرمْ بها من نعمةٍ ذُخِرَتْ لهُ
أُشيدَتْ لها الرّاياتُ وانتشر الفضل
هنيئاً كنوز الخير فُزتَ بفتحِها
وذلك فضل اللّه ليس لنا حول
وجنَّد جندًا عزّ عن نيل مثلِهِ
صناديدُ آسادٍ وغَبَّاهُمُ الأُسل
إذا حاربوا صفّاً لصفٍّ كأنّهم
صفوفُ صلاةٍ أمَّهَمْ فاضلٌ عدل
تصرّفهم فِعْلُ الجميلِ كواحدٍ
وفاق رئيس الجند لا بعد لا قبل
ويمشون في الهيجاءِ مشيَ تأوّدٍ
فلا رعبَ يغشاهم ولا سامهم ذلّ
فيمشون مشيًا كالشّيوخ وفعلُهم
فِعالُ شبابٍ طافحٍ أو فتًى طفل
فيرمون رميًا مسرعًا فكأنّهم
يعاونهم في السّير أضعافُهم عُجْل
ولا يعرفون الصَّدَّ إما غنيمةٌ
يسوقونها قسْرًا وأن يُبتلَى الكلّ
إذا قابلتْ ألفٌ ألوفًا كثيرةً
فما كثرةٌ تغني وما ضرّهم قلّ
فمن حاربوهُ فرَّ قبل قتالِهم
وكيف أطقت حربهم وهم بسْل؟
لهم نغماتٌ مطرباتٌ كأنّها
تبشّرهم بالنّصرِ أيّان ما حلّوا
جوائزُهم ربحٌ ولا عيبَ فيهمُ
سوى أن بذلَ الوفرِ في جمعِهم بخل
فأكرِمْ بهم من عسكرٍ جُمعَتْ لهم
خصالٌ فخامٌ والمشاهدة العدْل
وحين رماني الشّوقُ في بحرِ مدحِهِ
ولستُ أجيدُ السَّبح بي صَدِيَ القول
ومن شاطئ الوادي عزفتُ مدائحي
وما خضت في بحرٍ وما كدت أبتلّ
وإنّي لأرجو أن تزولَ نوائبي
أخوض بها بحرًا به المدح ينحلّ
مديحُك يا فخرَ الملوك غنيمةٌ
تعزّ به نفسي وإن رخصتْ تغلو
شمائلُكَ العظمى أراحتْ سجيّتي
أجرُّ يراعي والمحاسنُ لي تملو
فدعني وتعدادَ المديحِ فإنّني
أروّق نفسي والهمومُ به تسلو
فأيُّ ثناءٍ أبتغيه أرومُهُ
وأنت كريمٌ من كرامٍ له أهل
فدونكما عذراءُ يُخْجِلها الحيا
أبيَّةَ نفسٍ أن يُكافا بها فعل
تقول أنختَ الرَّحلَ قرب مُمَلَّكٍ
كريمٍ أصيلٍ ماجدٍ بذله البذل
متى سامني دهرٌ بهولٍ أصابني
وأدنى التفاتٍ منك ينكشف الهول
وكم من فتًى قبلي تصاعبَ دهرُهُ
فعاد له سهلٌ وفارقه المحل
فدُمْ في سماءِ المجدِ ما دام فرقدٌ
يلوح به والبدرُ والشّمسُ والحمل
مهنَّا معافَى سائلاً ما تريدُهُ
عليكَ سحابُ الخيرِ لا زال ينهلّ