للغيبِ شيء بلبّ النفسِ يهدينا
والفكرُ يسعى له وجدًا ويُدنينا
ولليقينِ بحورُ العلمِ تأخذُنا
في الذاتِ عمقًا وفِي الأكوانِ تُعلينا
تحوي النفوسُ ذرا الآياتِ مبهرة
والكونُ ضمّ عظيمَ الخلقِ مُوزونا
يصبو الفؤادُ لغيبٍ من دلائلهِ
في كلّ شيءٍ يراه الفكرُ مقرونا
فيدركُ العقلُ إنّ الحقّ مُوجدنا
والكونُ يجري بأمرِ الله مرْهونا
بالفطرةِ الخلقُ مشدودٌ بخالقِه
والعلمُ للهِ يطوينا ويهدينا
فوق المداركِ لا وصف يقاربُه
فالوعْيُ يبقى بضيقِ الكَيْسِ مسجونا
لا يوصف العقلُ إلّا في مُقارنةٍ
والعقلُ للوصفِ يستقري الموازينا
بمنْ يُقارنُ لا شيء يشابهه
فوق الصفاتِ علا معنىً ومضمونا
اللهُ أنزلَ أوصافًا لنعرفها
حتّى نكون لقدرِ الحقّ واعينا
إنَّ النبوغ بفهمِ الخلق منحسر
قد يدركُ البعضَ أو يكتالُ تخمينا
لو يرتقي الذهنُ للأَكْوانِ مُقْتَرِبًا
لارتدّ للذاتِ مخسوءً ومَوْهُونا
عبر الزمانِ أنادي والوجودُ صَدىً
رحماك ربّي فنادى الكَوْنُ آمينا
حَتَّى كأنّ مدى الآفاقِ مئذنةٌ
فيها أنادي وقد فاضتْ مآقينا
كأنّما الكون محراب أنوحُ به
وقد مَددْتُ إلى الباري أيادينا
يا منْ بِرَحْمَتِه الأَكْوان قائِمة
ومُنْعُمَ الخَلْق في الآلاءِ غافينا
ومُنْشِئَ النَّشْأَةَ الأولى وحافظها
وقد وضعْت لها حكمًا قوانينا
يا ساقيَ الطفلَ ألبانًا مطيبة
ومُخرجَ الزرعَ من صخرٍ أفانينا
يا كَاسِي الظُّلْمةَ اَلأنْوارَ دافئة
ومُنْزَلَ الروحَ والمِيزانَ هادينا
يا خالقَ النحلَ إذ يشفِي بلسعته
ومُبْرئ الداءَ بالأعْسالِ يشفِينا
يا معسرَ النَّفْس إن ساءتْ وإن حسنتْ
لَعَلَّه عن عذابِ النارِ يغنينا
يا مُنْقِذَ النَّاسَ من جوعٍ ومن فزعٍ
والمُرْتجَى كرمًا بالدّيْنِ يحيينا
أَنْقِذْ بمنّك غرقانًا بغفلته
طالَ الكبائِرَ تنويعًا وتَلْوينا
واشفِ المواجعَ فالآلامُ مبرحة
ما بات فيها جميلُ الصّبرِ مضمونا
فباسْمك الأَعْظم الأشجانُ سائلة
أن تَكْشِف الداءَ والإمْلاقَ والحَينا
أن تُبْعِد النَّاسَ عنّا في مَساوئهم
أن تَسْتَجِيب الدعا جودًا وتحمينا
زادي قَلِيلٌ ومكرُ النَّاسِ أَدْركني
وقد سقوْني بسوءِ الفعلِ غسلينا
إن بان رِزْقي عيونُ الخلقِ تتْبعُه
حَتَّى غَدَوْتُ بعين السْوِء مَعْيونا
فالصبرَ ربّي أُنادِي صبرَ مُحْتَسَبٍ
قد جاءك الدّهرَ مَكْروبًا ومحزونًا
ما كان حُزْني بأيّام البِلى جزعًا
أو كان دَمْعِي بها يأسًا وتَأْبِينا
بل كنتُ فيها دعاءً صاغني جملاً
أجني من الجدبِ رغم الضيقِ زيتونا
أيْنَ المِفَرُّ ونفسي ما لها أملٌ
إلّا بعَفْوك يوم الحَشْرِ يُنجينا
نَسْعَى إليكَ بحالٍ بات يُخْجلنا
كَيْفَ الوصول وثِقْل الذَّنْبِ يطوينا
نَسْعَى لك الدَّهْرَ ما هانت عزائمُنا
نُحيي لك اللَّيْلَ عبّادًا مُناجينا
لولا الرّجَاءُ بمنْ يجزي برحمته
ما طابَ عيشٌ بها والموتُ ناعينا