جارانِ، شبَّ الحبُّ في قلبيهما
فتقاربَ القلبان والدارانِ
فإذا أطلَّتْ من نوافذ بيتِها
وإذا أطلَّ تعانقَ النَّظَران
وإذا الدجى مسحَ الضياءَ بكفِّه
فاسودَّ أخلدَ للهوى الجاران
هو فوق شُرْفة قصره سهرتْ لهُ
عينان طولَ الليل شاخصتان
هيَ خلفَ نافذةٍ وبين ضلوعِها
أبدًا تثور لواذعُ النيران
همسَ الفتى يا هندُ جدَّ بيَ الهوى
والحظُّ والدنيا بنا لَعِبان
أنظلُّ نختلسُ الغرام كأنما
قلبي وقلبك في الهوى لِصّان؟
لأكاشفَنَّ غدًا ذويَّ بأمرنا
وأفوزُ منك بملتقًى وقِران
يا ليلُ لا تنزعْ ستائرَك التي
في ظلِّها يتسامر الخِلاّن
فالصفوُ حُلمٌ، والسعادة لحظةٌ
والعمرُ ليلةُ عاشقٍ وَلْهان
شكتِ الفتاة لأمِّها أشواقَها
وشكا الفتى فتمنَّع الأبوان
ما بين تَيْن الأسرتين عداوةٌ
قَدُمَتْ - وبئسَ عداوةُ الجيران
غضبَ الفتى وأثارَ كامنَ وجْدِه
أملٌ تلاشَى في خلال ثوان
ثارتْ، وثارَ، فلو سمعْتَ كلامَه
لظننتَه ضربًا من الهَذَيان
لأُنغِّصنَّ على أبي أيامَه
وأذيقُ أمي لوعةَ الأحزان
قد كان لي أملٌ تصرَّم حبلُه
فالعيشُ عندي والردى سِيان
كلا، فإني إن أمُتْ، ماتَ الهوى
في قلبها بعدي، وقد تنساني
لِنَمُتْ معًا فيضمَّ روحَيْنا الردى
روحان عند الله يلتقيان
وخلا بها يومًا فكاشفَها الذي
في صدره من حُرقة الهجران
قالت له هوِّنْ عليك فإنما
بالصَّبر نغلبُ طاريَ الحدثان
واربأْ بنفسك فانتحارُك في الهوى
جبنٌ، وعهدي فيك غير جبان
فأجابها لو كان حبِّكِ صادقًا
أو كان عهدُكِ ثابتَ الأركان
آثرتِ مثلي الموتَ، لم تتردِّدي
والموتُ آخرُ شقوة الإنسان
لكنَّكِ امرأةٌ، تُخادع في الهوى
إن النساء حبائلُ الشيطان
قالت كذبتَ فنحن أصدقُ منكمُ
عهدًا إذا ما فاخرَ الجِنْسان
لكن جزعتُ عليك، لا جزعًا على
نفسي، فما أشْجاكَ قد أشجاني
إن متَّ أنتَ أمتْ أنا فاسمع وكنْ
بوفاءِ هندٍ راسخَ الإيمان
ويح الفتى، دفع الفتاةَ إلى الردى
وتعاهدا أن يقضيا في آن
وقفا، فصبَّ لها، وصبَّ لنفسه
وتقابل اللحظانِ والكاسان
الموتُ في لحظيهما، والسمُّ في
كاسيهما، والحبُّ في ثوران
ورأى الفتى شبحَ المنون ممثلاً
في الكأس بين يدين ترتجفان
شربتْ، فلم يشربْ، وخافَ ولم تخَفْ
فقضتْ، وعاش بذِلّةٍ وهوان
أعرفتَ معنى قولهم ذا الفتى
نذلٌ، ومعنى اللوم في الإنسان