قَدْ كنتُ قَبْلَ اليَوْمِ عَنْكُمْ مُضْرِبا
لكِنَّ قَلْبي شاقَهُ زَهْرُ الرُّبى
فأَتَيْتُ أَجْنِي مِنْ رَحيقِ عَبيرِهِ
قَولُوا لَهُ: يا مَرْحَبًا، يا مَرْحَبا
لا تَعْذَلُوهُ إِنْ تَمادَى بُعْدُهُ
يَكْفِيهِ أَنْ أَمْضَى الحَياةَ مُغَرَّبا
ذاقَ الأَسى حَتَّى تَملَّكَ أَمْرَهُ
فَدَنا إلَيْهِ سائِلًا مُسْتَغْرِبا:
ما لي أَراكَ سَكَنْتَ جَوْفَ حُشاشَتي
حَتَّى تَعَذَّرَ أَنْ أَرُوغَ وَأَهْرُبا
وجَعْلَتَ مِنِّي في الحَياةِ مُعَذَّبًا
من ذا يُطيقُ بأَنْ يَكُونَ مُعَذَّبا؟
فإذا بَدَا في عُمْرِ وَجْهِي بُؤْسُهُ
فلَكَمْ بَلَوْتُ البُؤْسَ مِنْ زَمَنِ الصِّبا!
ولكَمْ أَقَمْتُ عَلَى ضَجيجِ نَشيجِهِ
حَتَّى فُؤادِي بالبُكاءِ تَشَرَّبا!
واليَوْمَ أُقْبِلُ والحَنينُ يَسُوقُني
لِمَلاعِبِ الأَحْبابِ في فَجْرِ الصَّبا
وأَخَطُّ في نَزَقِ المَشاعِرِ صَبْوَتي
فأُحيلُها نارًا تُضِيءُ الكَوْكَبا
لا تَسْأَلُوني عَنْ عَميقِ مَرارَتِي
ما مِثْلُها ذاقَ الحَشَا أَوْ جَرَّبا
لكِنَّني واللَّيْلُ يَسْرُدُ قِصَّتي
أَشْبَعْتُهُ مِنْها سَوَادًا مُرْعِبا
ولَقَدْ بَكاني والجُفُونُ سَوادِلٌ
يا لَيْلُ يَكْفي مِنْ سُدُولِك ما رَبا
جَرَّبتُ في دَفْعِ الأَنينِ عَزيمَتي
فَاسْتَوْحَشَتْ، وبَغَى الأَنينُ وما خَبا
طالَ اغْتِرابي وارْتَوَتْ أيَّامُهُ
يا لَيْتَني أَحْجَمْتُ أَنْ أَتَغَرَّبا
أَنْتُمْ لعَيْني كالرَّوَاءِ لِظامِئٍ
أَنْتُمْ لقَلْبي كالرَّبيعِ عَلَى الرُّبى
قَدْ جِئْتُكُمْ والشَّوْقُ يَعْمُرُ مُهْجَتي
وظَما فُؤادي في هَواكُمْ أَعْشَبا
ما زالَ في نَفْسي شَذا عِطْرٍ مَضَى
يَلْقَى فُؤادِي كالصَّبِيِّ إذا حَبا
جُودُوا عَليَّ بنَظْرَةٍ مَمْدُودَةٍ
حَتَّى أَكْونَ مِنَ السُّرُورِ مُقَرَّبا
يَكْفِي زَماني شَوْكُهُ وهَراسُهُ
ومِنَ الهَزائِمِ ما اصْطَفاني مَذْهَبا
إِنْ زارَني ظِلُّ الأَحبَّةِ وَارِفًا
أَلْقَى مَريرَ المَاءِ عَذْبًا طَيِّبا