ذكْراكِ يبعثُها السّماء الباكي
يا آيةَ الإبداع في دُنياكِ
مرَّتْ بنا الأعوام وهْي فتيَّةٌ
ذكْرَى أمجِّدُها عن الإشْراك
كنّا صغارًا يستفزُّ قلوبَنا
حُسْنُ الطبيعةِ والنّسيمُ الحاكي
ونواضرُ الأزهار في تلك الرُّبا
وخريرُ جَدْولِها الأسيفِ الشاكي
وترنُّمُ القُمْريِّ في أفنانِهِ
وثغاءُ شاةٍ أو صغيرٌ باكي
ونرى الجَمالَ تعدَّدتْ ألوانهُ
وتوحَّدتْ في طَرْفكِ الفتّاك
ونراكِ في طُهْر الملاكِ وحُسْنِهِ
وبساطةُ الطّفلِ الغريرِ حُلاك
تمشينَ لا تدرين صبّاً هائمًا
يصبو إليك ولا ينالُ لِقاك
ويُمِضُّه الشّوقُ المبرِّح والجوى
ويظلُّ يرصدُ في الظّلام سَناك
وينادم الأفلاكَ وهْي بعيدةٌ
ويُغازل الآرامَ في مغْناك
ويبثُّ في ليل الخريفِ همومَهُ
ويودُّ طولَ العمْرِ أن يرعاك
كم مرّةٍ يخطو إليك فلا يرى
إلا وقد فتكَتْ به عيناك
متردِّدًا في خطْوِهِ لا مُقْدِمٌ
نحوَ اللقاء ولا يودُّ نَواك
ويعود في ألمٍ ليلزمَ دارَهُ
خوفَ الهزيمةِ بعد طولِ عِراك
يا بُغيةَ الفنّان أنتِ عزيزةٌ
مهما تباعدَ وصْلُنا لحِماك
في كلِّ عامٍ نستعيدُ قصيدةً
كنّا نطالعُها على مَرْآك
أيّامَ كنتُ - ولا أصدّقُ ما أرى -
عيني تشاهدُ فتنَة الأمْلاك
وظللْتُ أرتاد الجمالَ وخاطري
لم يحوِ من دنيا الجمال سواك
في الفجر أوّلُ ما أراك وفي المسا
ألقاكِ بين الزّهر والأفلاك
قدَّستُ حسْنَكِ قبل معرفتي الهوى
وتخذْتُه مثلَ الجمالِ الزّاكي
وجعلتُ أدرسُه كمثّالِ الدُّمى
وأحاول الإفصاح حين أراك
علَّمْتِني شعرَ الحياةِ وسحْرَها
والسّحرُ صنوُ الشّعرِ مِنْ معناك
لُقِّنتُهُ في كلِّ لفظٍ فاتنٍ
أو بسمةٍ جلَّتْ عن الإدراك
ذكراكِ باقيةٌ على طول المدى
مهما أُحاولُ لا أرى إلاّك
إن عاش غيرُكِ في الخمولِ فإنّما
ذكراكِ يبعثُها السَّماء الباكي