بمَ التَّعللُ والسَّاداتُ قد وَهَنوا
لما أصابَ بِلادَ الشَّامِ واسْتَكَنوا
الشَّامُ روحٌ لأبدانٍ تُفارِقُها
فَكيفَ طاقَ فِراقَ الروحِ ذا البَدَنُ
هل يَرْقدُ الحُرُّ مُرتاحاً بِلا أَرَقٍ
وأهلُهُ ما لهم أرضٌ ولا وَطَنُ
تبكي الحَرائِرُ قهراً فقدَ مُعتَصمٍ
ويومَ سارتْ تُلبِّي صَرخةً سُفُنُ
فَكيفَ لا تُبصِرُ الشَّاشاتِ أعيُنُهُمْ
وكيفَ لا تَسمَعُ الصَّيحاتِ ذي الأُذُنُ
لا دَرَّ درُّ أُناسٍ طابَ مَسكَنُهُمْ
وفي البِلادِ عَجُوزٌ ما لها سَكَنُ
بالله كيف استطاعوا نزع نَخوَتِهِمْ
بل كيفَ هُم عَرَبٌ والرأسُ مُندَفِنُ
يا أُمَّةً تدَّعي الأمجادَ من عَرَبٍ
لا تَصنَعُ المَجدَ عُرْبٌ هَمُّها اللَّبَنُ
رَأيتُهُم أحسنَ الرَّاوينَ عن عُمَرٍ
وعندَ أوَّلِ حَربٍ إذْ بِهم جَبُنوا
لا تسأَلوني عنِ الأحوالِ في بَلَدي
فالرِّيحُ تُخبِرُ أنَّ الشَّامَ تُمتَحَنُ
فَجُلُّ سُكَّانِها ما عِندَهُم سَكَنٌ
وَجُلُّ شُبَّانِها في أرضِهم دُفِنوا
والدُّورُ ما عادَتِ الأفراحُ تَسكُنُها
فكُلُّ دارٍ لها من أهلِها ظُعُنُ
فارقتُ قلبي وقلبي لا يُفارِقُني
فالقلبُ في إدلِبَ الخضراءِ مُختَزَنُ
حربٌ وقَتلٌ وتَشريدٌ بلا سَبَبٍ
همٌ وقَهرٌ وتهجير فَما الثَّمَنُ ؟
ما ظلَّ شيءٌ سوى الأعمارِ نخسَرُها
ما أجملَ الموتَ إنَّ الموتَ لي حَسَنُ
وأَينَ نذهبُ مافي الأرضِ مُتَّسَعٌ
لنا وقدْ ضاعَتِ الآمالُ والمُدُنُ
والأرضُ واسِعَةٌ ليستْ بضيِّقةٍ
لكن إذا الرُّوحُ ضاقتْ سَرَّها الكَفَنُ
كُرهاً خَرجنا منَ الأوطانِ نَقصِدُهُمْ
فاسْتقبَلونا بِصَدرٍ كلُّه ضَغَنُ
يَستَكثِرونَ على أطفالِنا فَرحاً
وكُلُّ طِفلٍ بأسمى بَهجَةٍ قَمِنُ
لولا الظُّروفُ لما احْتجناهُمُ أَبَداً
لكنَّهُ غالبُ الإنسانِ ذَا الزَّمَنُ
لله نَشكوا زَماناً كلُّهُ عَجَبٌ
إذْ صارَ فيهِ عَزيزُ القَومِ يُمتَهَنُ
ونحنُ أكرمُ من في الأرضِ لو عَلِموا
ذوو المَكارِمِ والأمجادِ لو فَطِنوا
نحنُ اللَّذينَ شَرِبنا كأس عِزَّتِنا
من حنظَلٍ فاستَقامَ الجِسمُ والبَدَنُ
فإن نسوا ما لنا في الأرضِ من شَرَفٍ
فالدَّهرُ يعلَمُ من بالدَّهرِ يَتَّزِنُ