رمز الألم
منذ أن أبصرَ الحياةَ بعينِهْ
شاهَد الحزنَ والألمْ
أيَّ ذنبٍ جنى فنال جزاءً
ربِّ رُحماكَ ما اجترمْ
مات عنه أبوه وهو رضيعٌ
فحسا الذلَّ منذ فجرِ الحياةِ
عرف البؤسَ منذ أولِ يومٍ
فهو رمزُ الآلامِ والموجعاتِ
لم يذق طعمَ رحمةِ الوالد الحا
ني، ولا عطفَه ولا القُبلاتِ
وتمرّ الأعيادُ دون هدايا
كالصبايا ودونما بسمات
ما رأى جدّةَ اللباسِ تراه
أبداً في ملابسٍ باليات
حلنَ دهراً على أبيه كأن لم
يتبدّلْ بهنَّ للذكريات
وإذا خاطبَ الغلامُ أباه
هاج فيه كوامنُ الآهات
هذه اللفظةُ الجميلة باتتْ
عنده من غرائب الكلمات
أيَّ شيءٍ جنى فنال عقاباً
ربِّ رُحماكَ بارئَ الكائنات
أترى أن مصدر الخلقِ شرٌّ
أخُلقنا من طينة المعصيات؟
الأم البائسة
ليس فيهِ لأمّه أيُّ سلوى
بل عذابٌ مُؤبَّدُ
كلما شاهدتْه فاهت بنجوى
وشكاوى تُرَدَّدُ
حينما فارقَ الحياةَ أبوه
وتوارى بروحه في الفناءِ
هزّتِ النسوةُ الرضيعَ وقالت
لكَ فيه يا أمُّ خيرَ عزاء
فأجابت وفي المآقي دموعٌ
جارياتٌ كساقيات الماء
إنما فيه حرقةٌ لفؤادي
وسقامٌ مُهَيِّجٌ لشقائي
ليت شعري كم ذا يحزّ بقلبي
أن تراه عيني ببالي الرداء
وأراه وهو الذكيُّ بلا ما
لٍ ، وقد ظلّ أجهلَ الجهلاء
ويئنّ الأطفالُ شِبْعاً وطفلي
جائعٌ بات طاويَ الأحشاء
كيف يُعنى بمعدمٍ وعلى البا
بِ مئاتٌ من زمرة الأغنياء
كلُّ هذا لأن والدَ طفلي
ليس في ضمن عالم الأحياء
ذكرياتٌ تُعيد صورةَ زوجي
فأراه أنّى ذهبتُ إزائي
لا منامي يطيب لي وشرابي
ليس يحلو وليس يهنا غذائي
فيلسوف الأطفال
لاح في وجهه وفي نظراتِهْ
نَزَواتٌ من الشجونْ
صَيّرتْه كفيلسوفٍ بذاتِهْ
عجمتْ عُودَه السنونْ
فارقت وجهَه الطلاقةُ دوماً
وعلاه العبوسُ والتقطيبُ
بينما الطفلُ قطعةٌ من حبورٍ
مازحٌ باسمٌ ضحوكٌ طروبُ
عرف البؤسَ وهو في المهد طفلٌ
ونما وهو مُتعَبٌ مكروبُ
ولقد يُلهم الأسَى مُعجزاتٍ
مُذهلٌ أمرها جليلٌ غريب
واقفٌ يرقب الصغارَ بصمتٍ
بينما كلهم طروبٌ لعوب
فتراه كأنما عَرَك الدُّنْ
يا كما جرّب الزمان اللبيب
فيلسوفُ الأطفال ناهيك عنه
فهو فيهم ذاك الحكيم المصيب
مطرقٌ دائبًا يفكّر فيما
حوله صامتٌ عَلاه الشحوب
إنّ هذي إطراقةٌ ربما ين
تجُ عنها أمرٌ خطيرٌ عجيب
فلكم أطرق اليتيمُ المعلَّى
أحمدُ المصطفى الأمين الأريب
ولكم فكّر الصغير بما يع
جزُ عنه المجرِّبون الشِّيب
فأتانا بما أتى فاستنارت
بهداه قبائلٌ وشعوب