على الأحباب قلبي أنّ أنّا
وصرتُ بهم حليفَ ضنًى مُعنّى
ولما أن بدا ليلي وجنّا
سمعتُ سويجعَ الأثلاتِ غنّى
على مطلولة العَذَبات رنّا
وأجرى دمعَه من فوق خدِّ
على إلفٍ له يبكي لفقدِ
ولما بان منه عظيمُ وجدِ
أجابته مُغرِّدةٌ بنجدِ
وثنّتْ بالإجابة حيث ثنّى
فزاد بيَ الهوى وجفوْتُ قومي
ولم أعرف متى أمسي ويومي
وكيف العاذلون يرون لومي
وبرقُ الأبرقَيْن أطارَ نومي
وأحْرَمَني طروقَ الطيفِ وَهْنا
وجهّزَ فاتني للحرب جيشا
وعقلي زاده التعنيفُ طيشا
ذكرتُ مغانيًا جمعتْ قُريشا
وذكّرني الصَّبا النجديُّ عيشا
بذات البانِ ما أحلى وأهنا
وأنعشَ ذلك التذكارُ حِسّي
وطابت بالتهاني منه نفسي
ومذ راق الطّلا وأُديرَ كأسي
ذكرتُ أحبّتي وديارَ أُنسي
وراجعتُ الزمانَ بهم فضنّا
وأورثني عُقيبَ البِشر هَمّا
وأقلقني فزدتُ لذاك غمّا
وصرتُ كأنني أُسقيتُ سُمّا
وكاد القلب أن يسلو فلمّا
تذكَّرَ أبرقَ الحَنّان حنّا
وعاد له سرورٌ بعد ضيقِ
يهيم بساكني وادي العقيقِ
أنادي لا عدمتُكَ من صديقِ
ترفَّقْ بي فديتُكَ يا رفيقي
فما عينٌ سويهرةٌ كوَسْنى
أعلّلُ منكَ نفسي بالأماني
لأحظى من حبيبي بالتداني
فساعِدْني على ما قد دهاني
وقفْ بي بالطلول وبالمغاني
لأندبَ يا فتًى طللاً ومَغنى
فقد يُجدي البُكا لشَجٍ مُحِبِّ
ويبلغ راحةً من غير كربِ
فلا تلمِ الشجيَّ بغير ذنبِ
لعلّ النوَح يُطفي نارَ قلبِ
يقلّبه الهوى ظهرًا وبطنا
أقام بيَ السّقامُ فلا تلمني
ومن عَذْلٍ فديتُكَ خَلِّ عني
فإن الحبَّ فيهم صار فنّي
أُعيذكَ ما بُليتُ به فإني
على أثر الفراقِ شَجٍ مُعنّى
ودمعُ العينِ فاض كفيض سُحْبِ
وصرتُ مُولَّعًا أبكي بندبِ
قتيلَ صبابةٍ وأسيرَ حبِّ
أشارك بالصبابة كلَّ صبِّ
إذا ما الليلُ جَنَّ عليه جُنّا
متى ألقى السرورَ مع التهاني
وأحظى بالذي حقّاً سباني؟
وحين سكرتُ من صافي الدنانِ
ولعتُ بجيرة الحيِّ اليماني
ولوعًا زادني كَمَدًا وحُزنا
ومن عظم المصائبِ لستُ أدري
وقد ضيّعتُ في العصيان عمري
ودائي مُوصلٌ أبدًا بدهري
ولو بسطَ الهوى العذريُّ عذري
لما قاسيتُ سنّةَ قيسِ لُبنى
وروحي لم تزل تهوى لربعِ
تَفرّقَ أهلُه من بعد جَمْعِ
وعادت عَبرتي تجري بهمعِ
أُكاتبهم وقد بعدوا بدمعِ
فُرادى في محاجره ومَثنى
وعيني لا يفارقها سُهادي
بعشق أحبّتي منعوا رقادي
أضرَّ بيَ الغرامُ وكم أنادي
فلا أدري أهم ملكوا فؤادي
بعَقدِ البيعِ أم ملكوه رهنا؟
غدا شغفي بهم سِرّاً وجهرا
وفي حبّي لهم شُرِّفتُ قدرا
فما لي غيرُهم في الكون ذُخرا
ثملتُ بهم وما خامرتُ خمرا
معتّقةً وما دانيتُ دنّا
لزمتُ حِماهمُ فازددتُ فضلا
لأنهمُ زكوا فرعًا وأصلا
ومنذ لقيتُهم ناديتُ أهلا
ألا يا ساجعَ الأثلات مهلا
ففي الأيام ما أَكْفى وأهنا
تَقرَّبْ يا فتَى لتنالَ نفعا
من المحبوب وانحُ إليه سرعا
ولا تندمْ على ما فات قطعا
تَأنَّ ولا تضقْ بالأمر ذَرْعا
فكم بالنُّجْح يظفرُ من تأنّى
وكم رزقَ الإلهُ لكلّ جانِ
وأحرمَ بعضَ ذي عقلٍ وشانِ
وليس لحكمه في المُلْك ثانِ
فبالأرزاق يرزق كلَّ عانِ
بلا سعيٍ ويحرم من تَعنّى
ومن لم يشكرِ النعماءَ فَظُّ
غليظُ الطبعِ لم ينفعْه وَعْظُ
لأن الشكرَ للإنعام حفظُ
ولم يفتِ الفتى بالعجز حظُّ
ولا بالحزم يِدرك من تمنّى
فلا تعجلْ ولازمْ للتأنّي
تنلْ ما تشتهيه من التمنّي
وخذْ مني النصيحةَ واحكِ عنّي
وإن ترَ ما ترى منّي فإنّي
لهِجتُ بمنصب الحُسْنِ المثنّى
أُحاول مدحَ من جا بالمثاني
ومن هو عُمدتي فيما دهاني
مدى الأيامِ في طول الزمانِ
لساني ينتقي زُبْدَ المعاني
ويُودعُهنَّ شمسَ الكونِ ضِمنا
وما لي مُسعفٌ عند المصيرِ
سوى الماحي المظلّلِ في الهجيرِ
به ألقى النجاةَ وكلَّ خيرِ
ومدحُ محمدٍ غرضي وغيري
إذا غنّى حكى
الرشأَ الأغنّا