هوَ الوجدُ حتى لا يَجفُّ النواظرُ
وحتى تغيب الروحُ والجسمُ حاضرُ
وما الوجدُ الاَّ النار قد شبَّها الهوى
فما اطفأتها الدامعاتُ المواطرُ
فلا حلَّ جسماً لم تذبهُ صبابةٌ
ولا ذاقهُ من لم يمت وهوَ صابرُ
ولا درَّ درُّ الوصلِ فيهِ لطالبٍ
يخالفُ منهُ باطن الامر ظاهر
سأحمل ضيمَ الوجد حتى يجود لي
يخيلٌ وحتى يأنس الحبَّ نافرُ
وبي وأبي من لو بدا نورُ وجههِ
لعاد عذولي في الهوى وهوَ عاذرُ
مليكُ جمالٍ عزَّ نصراً بحسنهِ
لهُ حاجبٌ يحمي لماهُ وناظرُ
فيا ثغرهُ أنَّى حمتكًَ لحاظهُ
وأنتَ برودٌ واللحاظُ فواترُ
وياقدّهُ عوِّذ بعدلكَ حسنهُ
ألستَ تراهُ وهوَ في الناس جائرُ
خليليَّ والأيامُ لم يبقِ صِرفها
خليلاً يواسي أو صديقاً يوازرُ
اما في سبيل الله عونٌ عَلَى الهوى
ولا في سبيل الحبّ للقلب ناصرُ
امِ الدهرُ آلى أن يضيمَ كريمهُ
فدارت عَلَى اهلِ الوفاءِ الدوائرُ
وكيفَ وسلطان الوفاءِ محمدٌ
مؤَيد امر الحقّ باللهِ ظاهرُ
همامٌ اذا لاذَ الضعيفُ ببابهِ
تحامتهُ فيهِ الحادثاتُ الدواغرُ
ولو رامهُ الثَبتُ القويُّ بنظرةٍ
لردَّ اليهِ طرفهُ وهوَ حاسرُ
غمامٌ إذا أعطى حمامٌ اذا سطا
فمنهُ يُباحُ العرفُ والعرضُ وافرُ
لهُ همةٌ من دونها السيف ماضياً
مضارعه في الدهر ناهٍ وآمرُ
ورأيٌ هدى اهل السرى بضيائهِ
كما ارشدت رَكبَ السفينِ المنائرُ
وما شئتَ من فضلٍ نظيمٍ وسؤددٍ
عظيمٍ عليهِ من تقاهُ شعائرُ
وجدٍّ مباري مجدهِ فيهِ خاسىٌ
ومجدٍ مجاري جدّهِ فيهِ خاسرُ
وعزمٍ مداني نصفهِ عنهُ خائرٌ
وحمزمٍ معاتي وصفهِ منهُ حائرُ
اقامَ عَلَى تلكَ المحاسن حجةً
من الفعل اعيا ردّها مَن يكابرُ
فسل عنهُ نوَّاباً رأَوا نورَ رأيهِ
فضاءَت بهِ ابصارُهم والبصائرُ
وسل عنهُ أهل البغي اذ ردَّ كيدهم
وقد غرَّهم جيشٌ لهم مثكاثرُ
ولم يألهم نصحاً ولكن اضلَّهم
ادلاء في ليل الغرورِ عواثرُ
فآبوا بخسرانٍ وباؤوا بحسرةٍ
وكسر قلوبٍ ما لهُ الدهر جابرُ
ويا يوم وافوا لاجبين كأنما
قد انحلَّ نطقُ البحر والبحر زاخرُ
عليهم من اليأس المبين علائمٌ
تعلم كيفَ الهول من لا يحاذرُ
وجوهٌ علثها صفرةُ الغيظِ مثلما
تفتح عن أهل القبور المقابرُ
فالفوهُ طوداً لا يبالي بعاصفٍ
وليثاً هصوراً لم ترعهُ المخاطرُ
وقرماً باسرار السريرة ظاهراً
وحرّاً باضمار الضمير يجاهرُ
ومستهلكاً في الله لا يرهب الردى
اذا رهبتهُ في النزال العساكرُ
فعادوا سكارى لا بخمرٍ سوى التي
ادارت عليهم في الديار المحاجرُ
ولولاهُ ما هلَّت بدمعٍ عيونهم
سوى ما اعدَّت يوم تأتي البشائرُ