الحمدُ لله الذي قد يسّرا
طُرْقَ العلا لمن أراد السَّفرا
ثم أصلّي بعد حمد الصمَدِ
على النبيِّ المصطفى محمَّدِ
وآلهِ وصحبه الأخيارِ
ما غرّد القُمْرِيُّ في الأشجارِ
سبحان من قد جعل الأسفارا
للمرء كي يجلو بها الأكدارا
وقدَّرَ الأرزاق بالأسبابِ
من غير كدٍّ وبلا اكتسابِ
لكنه بحكمةِ التقديرِ
من ربِّنا للسعي والتدبيرِ
قد أمر المختارَ بالأسفارِ
والسعيِ في البَرِّ وفي البحارِ
لم يأمرنَّ قطُّ بالقعودِ
في البيت معْ نواعم الخدودِ
لكنَّ بالحجّ وبالجهادِ
والكدِّ في الأرض على الأولادِ
وليس للمرء بأن يكونا
كَلاّ على الأولاد والأهلينا
لكن يكون تابعًا للأمرِ
وجامعًا أيضًا خصالَ البِرِّ
لقوله وانتشروا في الأرضِ
فصار عند الناس مثلَ الفرضِ
لأجل ذا قمنا ولو شمَّرْنا
عن ساعد الجدّ لذلَّ ركنا
لكي نزورَ صحبَنا الكراما
وإخوةً كانوا لهم مقاما
حتى نؤدّي حقَّهم بالشكرِ
أن لا يُقال خاننا في الدهرِ
في عامنا هذا عزمنا السَّفَرا
ونركَبَنْ أهواله والخطرا
بسابعِ شهرِ ربيع الأولِ
من عام سبعين وإحدى فاجملِ
بغرَّة الجمعة غادرْنا الوطنْ
والقلبُ في ضيقٍ وهمٍّ وحزَنْ
لفقْدنا الأوطان والجيرانا
وأهلَنا الأدنين والإخوانا
قد شيَّعونا والدموعُ تنتثرْ
منا ومنهم أسفًا على السَّفرْ
مشيًا وراء العيسِ لا يثنونا
تأسُّفًا لفَقْدنا يبكونا
حتى انتهينا آخرَ العمرانِ
نمشي وراء العِيس كالوُلهانِ
بعد غروب الشمس قد وصلنا
«قصيرةً» ثم بها نزلنا
بعد الضحى همَمْنا بالمسيرِ
بلا توانٍ وبلا فتورِ
سارت بنا العيسُ تجدُّ السيْرا
حتى وصلنا «بالسَّبيخ» عصرا
وبالصباح قد علوْنا كورَها
حتى بدت «صورُ» لنا قصورَها
قد عمَّر السلطان فيها منزلا
حصنًا منيعًا شامخًا مبجَّلا
وبعد خمسٍ ذلك الريحُ سكنْ
فزال عنا الهمُّ وارتاح الحَزَنْ
لما قضينا التسعةَ الأيامِ
وافت لنا «مرباطُ» بالتمام
قمنا ثمانًا كلّها في نِعمِ
نأكل فيها من لحوم الغنمِ
وبعد ما أدّوا صلاةَ الجُمُعهْ
عزمنا بالمسير نحو الغبَّهْ
نُريد في مسيرنا السواحلا
ونسأل الرحمنَ لطفًا كامِلا
سارت بنا تفري أديمَ البحرِ
والريحُ يهدا تارة ويسري
سرنا ثلاثًا ثم بعد الفجرِ
قد سقط «المحرزي» وسْطَ البحرِ
يريد أن يقضي صلاة الصبحِ
فلم يكن لقصده من نُجْحِ
فقامتِ الناس وقد علا الصياحْ
يا قومُ إن رجلاً في البحر طاحْ
لم يشعروا إلا و«سنجور» عفدْ
في البحر لما أن رأى المرءَ فُقدْ
جاد بنفسه بوسط البحرِ
بوثبةٍ كالليث أو كالصقرِ
والنُّوخذا «راشد» ذو الترَّشدِ
قد صاح فيهم صيحةً كالأسدِ
تواثَبَ العمالُ في الحبالِ
ورفعوا الشراعَ باعتجالِ
وأنزلوا الهوريَّ حالاً بالعجلْ
بسرعةٍ وهمّةٍ بلا كسلْ
لم يمضِ إلا ربع ساعةٍ وقدْ
جاؤوا به سلمًا بلا نكدْ