عدا بصروفه الدهر المعادي
علينا في التّراوح والتغادي
ولما ضاق فينا كلُّ نادي
إلى موسى بن جعفر والجوادِ
حثثنا الركب من أقصى البلادِ
وقد كان النجاحُ لنا يقينا
بمأوىً من أسىً وعناً يقينا
وكم جُبنا شمالاً أو يمينا
وسالت من بنات العيس فينا
من الشمِّ الشناخب للوهادِ
هدتنا للهداية والرشادِ
فأدركنا به أقصى المرادِ
وكم جابت بمسراها البوادي
نجائبُ ترتمي صبحاً بوادي
وتمسى في مراتعها بوادي
كسفن البحر في موج السرابِ
تسير بكلِّ مقفرةٍ يبابِ
وتستفُّ الدقيق من الترابِ
هجانٌ تلتوى فوق الروابي
كصلِّ الرمل نضنض بارتعادِ
يفوت الطرفَ في جرىٍ سراها
لغاياتٍ أصابت منتهاها
تراوح بين طرفٍ في مداها
وحرفٍ كلما خبَّت علاها
سرادق في الكثيب بلا عماد
بغرَّتها سنا ورشدٍ ووقدُ
ونورُ هدىً تروح به وتغدو
فتعدو بالأسود غداة تعدو
وتخفى في السراب ضحىً وتبدو
لدى الإدلاج ليلاً باتقادِ
لقد أخذ الهجانُ العدوَ عنها
لها لم تبصر الأحداق شبها
إلى أبواعها التصريف منهى
كأنَّ مناسمَ الأخفاف منها
صيارفُ قد اُعِدَّت لانتقادِ
لغير ضرام رشدٍ ليس تعشو
إذا انسابت أفاعٍ هنَّ رقشُ
لهنَّ بأكبد الغبراء نهشُ
بأخفافٍ لها في الرمل نقشُ
وفي صلد الحصا شررُ الزنادِ
كأن أقدامُها أقلامُ بارى
وأكباد الصلاد دواة نارِ
فتغمس حين تغمس من شرار
وتكتب في صحائف للصحارى
سطوراً للهداية والرشادِ
بها رُقمت لإرشادٍ رقومٌ
وقد عُلمت بأحرفها علومٌ
وبانت للهدى فيها رسومٌ
كأنَّ حروفَ أسطرها نجومٌ
بجنح الليل للسارى هوادى
تطير هوىً بأجنحة الأماني
لنيل الأمن من صرف الزمانِ
وتظفر بالمنى بعد الأمانِ
فتهوى للقرى قبل التداني
وتبرك للحبا قبل التنادي
وتعلو الشُّمَّ آونةً وتهوى
لإدارك المرام بكل دَوِّ
تُحدِّثُ عن خراسان ومروِ
نقانقُ من تروى
حديث القرب في طيِّ البعادِ
لقد سارت فعاد البعد قربا
وقد زادت تخدُّ السير خبّا
وتتخذ السراب المحض شربا
وتأبى عن ورود الماء غبّا
على الملوين في خمسٍ عدادِ
تؤمُّ بسيرها مرعىً وماءا
فتكثِر كلما قدَّت فضاءا
لمزجيها وراكبها دعاءا
وُتملى كلما حنَّت رغاءا
على الأسماع آثارَ العهادِ
تحوم على التواصل كلَّ حومٍ
وتهجر في المسير لذيذَ نومٍ
وفي أشواقها لأجَلِّ قومٍ
تحنُّ إلى المفاوز كلَّ يومٍ
وتطرب للمغاور والنجادِ
تحنُّ إلى السُّرى في كل يومٍ
وتسرى ليس تألف طيب نومٍ
فتضعف عن تحمُّل بعض لومٍ
وتحمل كالجبال سراةَ قوم
بقصدٍ مثل أوتاد المهادِ
رأت ناراً توقَّدُ في الدياجي
فلاح بها الفلاح لكلِّ راجي
وهاهي في سرورٍ وابتهاجِ
فما زالت ترى والليل داجي
توقُّدَ نارِ موسى والجوادِ
لقد وفّت لراجي الرشد كَيلا
ونال بها الأنام هدىً ونيلا
ومذ ملنا لتلك النار مَيلا
تجلىّ نورُها في الطور ليلا
فدكدكت الرعانَ على الوهادِ
وكعبة سؤددٍ نلنا الترجِّى
بها إذ سُدَّ عنا كلُّ نهجِ
وكم عكف العفاة لها بدلجِ
فيا لكِ كعبةً من كل فجِّ
تُحجُّ ومقصَداً من كل نادى
سمت بعلائها أعلى البقاعِ
فكم من مُحرِمٍ فيها وساعي
فجلَّت أن تحاوَلَ لامتناعِ
وعزَّت أن تطاوَلَ بارتفاعِ
وقد فاقت على ذات العمادِ
ومذ أنوارها الأرضين عمَّت
إليها أدلجت زُمرٌ وأمَّت
وأملاك السماء بها ألمَّت
قبابٌ بالسُّها نيطت وضمَّت
ضريحاً كالضراح لدى العبادِ
عما العَلمان للعيُّوق عاقا
علاً فات اللحاقُ به سباقا
له قد عاد هامُ العرش ساقا
فيا لله من علمَين فاقا
علاً أربى على السبع الشدادِ
هما شمسا الهدى بدرا المعالي
بنورهما اهتدى أهل الضلالٍ
وزالت فيهما محنُ الليالي
هما غيثا المؤمَل في نوالِ
وغوثا المستجير من الأعادي
فكم سَنّا لفضلٍ من سبيلٍ
وكم دلا عليه من دليلٍ
وجادا بالنوال على مُنيلٍ
هما بابا الرجاء لمستنيلٍ
هما كهفا النجاة من العوادي
وبدَّد شملَنا بعد ائتلافِ
زمان للكرام الغرِّ جافي
ومذ لم يُلفَ بين الناس كافي
قصدتُ إليهما أطوى الفيافي
تهادى بي من النُّجب الهوادي
ولما لم أجد في الناس طَولاً
وقد قاسيت للأيام هولاً
أتيتُ حمىً كم نلتُ سُؤلاً
وألقيتُ العصا في باب مولىً
بلغتُ ببابه أقصى مرادي