مُتيَّمٌ مسَّهُ شعرٌ وتأويلُ
(بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ)
يا كعبُ عذرَك من وجناءَ ناحلةٍ
يسعى على ظهرها هادٍ وضلّيلُ
قصصتُ إثرَك، خانتني على كبرٍ
عصاي واحدودبت فيَّ الأقاويلُ
أفتّشُ الغار عن ذكرى خصوبته
وثانيَ اثنين حفَّتهُ القناديلُ
عن واهنِ العنكبوتِ استنفرت خجلاً
غزلَ الصلاة فأعيى الوقتَ ترتيلُ
وعن حمائمِ أمنٍ فضَّ غربتَها
بيضُ التجلي وأمرُ الله مسدولُ
يا رحلةَ النور كان اللهُ قبلتَها
وخلف كلِ خطاها كان جبريلُ
أتيهُ في لغة الصحراء عن إبلي
قِراي شعري وأضيافي التفاصيلُ
اُقرّبُ الشعرَ قرباناً تُقُبّل من
مثلي فقابلني بالقتلِ قابيلُ
وما بسطتُ سوى مدحَ النبيّ يداً
والمدحُ عند رسول الله مقبولُ
أتيتُ ألقي دلائي كنتُ منتظراً
بشرى لسيارتي والماء مبذولُ
كأن بي من جفاف الرمل أدعيةً
للغيم تشرحني والغيم مشغولُ
وبي ذهولٌ من المعنى يُنبّهُهُ
وقتُ الغياب ومعنى الوقت مذهولُ
مُعلَّقٌ كالنوايا هجرتي قرضت
حبلَ الرجوع وحبلُ الغيب مفتولُ
لا صوت في الغار إلا بعضُ هسهسةٍ
للصمت مُنصِتةٍ يشتاقُها قيلُ
أدركتُ ما كان يجري في تعبُّده
وكيف أدركه في الشكّ معقولُ
وكيف صرَّف ممنوعاً بمعربةٍ
الحبُّ فاعلُها والقلبُ مفعولُ
عبرتُ نهرَ ابتلائي غيرَ مُغترفٍ
منه اليقين وعصفُ الظن مأكولُ
أختارُ تعجيل ما أحتاجُ من هربي
مني فيختارني رفضٌ وتأجيلُ
ذهبت أبحثُ عنّي لم أقف جدلاً
في مشهدٍ صاغهُ نصٌ وتمثيلُ
فجئتُ سنَّتَهُ البيضاء أسألُها
عن ملَّةٍ خانها فهمٌ وتأويلُ
عن العراق ورؤيا الشك تمضغه
خضراً وتحصده صفراً أهاويلُ
عن ضيعة الشام عن أطفال محنته
عن فتيةٍ غالهم في الكهف سجيلُ
عن شهقة اليمن المسلوب من دمنا
كيف اشتهاهُ طعاماً ذلك الغولُ
عن مقدس الله عن معراج كوكبه
متى يقوم مسيحٌ منه مقتولُ
يا منقذ الناس من شعثاء مقبلةٍ
بخيلها ونواياها الأباطيلُ
وجيشُ أبرهةَ الثاني على عجلٍ
آتٍ إلينا ولم تأتِ الأبابيلُ
أوقف رحى هذه الأيام واقتحم الذكرى
بنا قد دنا من كعبتي الفيلُ
واستوحت الأرض أصناماً وآلهةً
أخرى تُباع فباعتها التماثيلُ
تاهت بأوراقي الصماء أسئلتي
واجتاحها قلمٌ بالصمت مغلولُ
أسيرُ والعالم الفاني يطاردني
ومهمهٌ موحشٌ بالغيل مأهولُ
تمرُّ في شكها الأيام معجلةً
جيلٌ يسيرُ على أطلاله جيلُ
قوافلٌ هاجمتها الجنًّ واختطفت
نياقها وطريق القوم مجهولُ
يا منجيَ الناس من ليلٍ تسربلهم
أطلع نهارك إن الوقت مشلولُ
أنت السبيل إلينا أن نعود لنا
أنت الدليلُ وكل الأرض تضليلُ
أنت المسافات والأوقاتُ عاجزةٌ
والمستحيلات وعدٌ منك مأمولُ
وأنت شمسٌ دعت قلبي فأبصرها
وليس تحجبها عنه الغرابيلُ
وأنت أولُ نورٍ أنت آخرُ من
يُتلى على قلبه وحيٌ وتنزيلُ
مدَّثّرٌ ثبَّت الدنيا برعشته
مُزَّمّلٌ من جفون الليل مسلولُ
وما تَقَوَّلَ بل وحيٌ يُبَلَّغُهُ
لسانه بضمير الله موصول
مُطَيَّبُ العَرفِ تُستجدى نسائمُهُ
كأنه برحيق الورد مغسولُ
أقنى ضليعٌ أسيل الخدّ خالطه
زهرٌ (أغنّ غضيضُ الطرفِ مكحولُ)
إذا مشى نثرت نوراً شمائلُه
(لا يُشتكى قصرٌ منه ولا طولُ)
بدا صفاءُ الندى في وجهه قمراً
وشعره بسواد الليل مبلولُ
أنقى بياضاً من المعنى سريرتُهُ
مُخَلَّصٌ من صميم الطهر مجبولُ
سرى إلى المسجد الأقصى فشرَّفه
دنا تدلّى بعطف الله مشمولُ
على البراق وحشد من ملائكةٍ
نورٌ على عرشه الدّريّ محمولُ
وقاب قوسين أو أدنى رأى ودرى
عهداً من الله إن العهد مسؤولُ
يا من تجلَّى على شعري وسنتُه
قولٌ فصيحٌ بطعم الحق معسولُ
روت مداداً فمَ الأقلامِ سيرتُه
حديثه بقطار الصدق منقولُ
آتٍ وناقتيَ العرجاء يحملُني
إليك وزنٌ من الماضين منحولُ
منصتي تكيةٌ أذكت مدائحها
شُهبٌ بزاةٌ دراويشٌ بهاليلُ
ينتابني الحالُ مجذوباً وينشرني
على حبال الهوى لثمٌ وتقبيلُ
قلبي بحب رسول الله مشغولُ
(متيَّمٌ إثرهُ لم يُفدَ مكبولُ)