لئن أضعف جسمي الخطوب وحملها
فما أضعفت نفسي ولا أوهنت عزمي
كأني خيال حين أمشي من الضنى
وليث عرين حين أسطو على خصمي
حياتي بنفسي لا بجسمي منوطة
وقوتي قوت الروح والقلب لا الجسم
عجبت لنفس لم تطر من أضالع
حكت قفصاً خاوي الضلوع من السقم
وكم ليلة قضّيتها طاوي الحشا
فلم أبد من سئم ولم أشكُ من هم
فأخطر مختالا بعزي مفاخرا
وإن كنت بالي الثوب منخرق الكم
كأني مليك بالفخار متوج
وليس له جند سوى البأس والحلم
تراه ونور الحق شارة ملكه
وقانونه نشر المحبة والسلم
وأي مليك عاش حراً كعيشتي
وهل مجد أرباب العروش سوى وهم
فلا تبن الا مثل مجدي وسؤددي
فكل بناء غير ذاك الى هدم
واني إذا ما رام ضيمي معتدٍ
عمدت لحد السيف لا القذف والشم
وهل تدفع الألفاظ ضيما وكلها
هواء ولكن يدفع الظلم بالظلم
وأعجب من شعب يبيت على الأذى
ومن رجل في الناس يُرمى ولا يرمي
يفل جيوش الهم سيف عزيمتي
ويكشف ظلماء الخطوب سنا حزمي
ولست لأرقى فيلسوف مقلدا
ولا بإمام غير عقلي بمؤتم
تلذ لدى نفسي مخالفة الورى
ويطربني صوت الملامة والذم
أنكب عن عاداتهم ورسومهم
ولا أبتغي للنفس رسماً سوى رسمي
ولو طلبوا رغمي وقد كنت صاديا
على الماء لم اشربه بعدا عن الرغم
أروم اتباع الفيلسوف بفكرتي
وأرغب في عيش البساطة للبهم
فلست لتحضير الطعام مفكراً
ولا لطعام قبل جوع بمتهم
فإن جعت لم أطلب سوى ما يقوتني
من العشب أضحي أو من الخبز واللحم
عجبت لمهتم بأمر طعامه
وما اهتم في أمر الطعام سوى النهم
أقضي حياتي مستلذا بعزلة
أمتع فيها النفس بالأدب الجم
فلست لشخص بالكلام مقيدا
ولا لكلام شذ مني بمغتم
فيجري خيالي كيف شاء منظماً
وفي الناس يجري دون قصد ولا نظم
أنال به ما شئت من أجمل المنى
فمن روضة تزهو ومن مسكن فخم
تراني في جو الخيال محلقاً
أرفرف جذلانا بأجنحة الحلم
وكم من طريق الذل أمكنني الغنى
فعفت الغنى والذل للعز والعدم
ولست بمكسالٍ عن السعي للغني
ولكنني أرمي فيخطي المنى سهمي
تركت بلادي والحشا عالق بها
وفارقت أحبابي بها وبني أمي
لعلي يوماً أن أفوز بثروة
أنال بها سؤلي وأجلو بها غمي
فلو خلها في الأرض غصت لقعرها
وإن تك في نجم صعدت الى النجم
فكم جبت سهلا وارتقيت رواسياً
وكم جزت من قفر وكم خضت من يمّ
فلم أحظ في شيء على القوت زائد
وفاز بأقصى ما يريد أخو اللؤم
فهل كتب الله الثراء لمعشر
وخط ليَ الحرمان في دفتر الشؤم
وهيهات فالله المهيمن عادل
ولم آت من ذنب ولم أجن من جرم
فطوراً أخال الحظ علة خيبتي
وطوراً أرى الحرمان من قلة الفهم
وليس بهذا أو بذاك وإنما
أرى السر في نقص القوانين والحكم
أسير وظل البؤس يمشي لجانبي
كأني حليف للشقاء وذو رحم
تعلق بي حباً فهذا خياله
يلوح على شكلي ويبدو على رسمي
ولم تنقطع آمال مثلي لخيبة
فاسعى وإن أصبحت جلدا على عظم
أعيش بسعيي في بلادي ومهجري
ولم احتمل منّا لعرْب ولا عجم
عجبت لقوم شحذهم باسم دينهم
وكيف يسوغ الشحذ للرجل الشهم
لئن كان تحصيل العلوم مسوغاً
لذاك فإن الجهل خير من العلم
وهل كان في عهد النبي عصابة
يعيشون من مال الأنام بذا الاسم
لئن أوجب الله الزكاة فلم تكن
لتعطي بذل بل لتؤخذ بالرغم
أتانا بها أبناء ساسان حرفة
ولم تك في أبناء يعرب من قدم
أما لكم في زرع أرضكم غنى
عن الشحذ أو في الكسب منأى عن الذم
أسيلوا لسقي الأرض ماء جبينكم
إذا نهركم لم يجر والودق لم يهْم