تخطَّ إلى المحتوى

من الدهر تشكو أم على الدهر تعتب

الطويل

٦٠ بيت

النسيب

مِنَ الدَهرِ تَشكو أَم عَلى الدَهرِ تَعتَبُ

وَما صِاحِبُ الأَيّامِ إِلّا مُعَذَّبُ

شَكِيٌّ بِلا قاضٍ شَجِيٌّ بِلا أَسىً

إِذا باتَ في دُنياهُ يَعتَبُ يَعتَبُ

يُلاقي الأَسى في صَدرِهِ كُلَّ مَذهَبٍ

مَتى ضاقَ عَنهُ في البَسيطَةِ مَذهَبُ

هُوَ المَرءُ في كَفِّ الزَمانِ مُقَلَّبٌ

يُقاسي عَذابَ المَوتِ وَالدَهرُ يَلعَبُ

تَوَلَّدَ في الدُنيا حَليفَ مَصائِبٍ

فَلَم يُغنِ عَنهُ حِرصُهُ وَالتَجَنُّبُ

يُصاحِبُها وَهيَ العِداةُ وَإنَّهُ

لَخَسْفٌ بِأَن تَشْنا الَّذي أَنتَ تَصحَبُ

إِذا نَقَصَت من كُلِّ عِزٍّ حُظوظُهُ

فَأَسهُمُهُ مِن نَكبَةٍ لَيسَ تَغلِبُ

طَريدُ لَيالٍ باتَ في كَفِّ طارِدِ

وَمَطلوبُ دَهرٍ عِندَ مَن هُوَ يَطلُبُ

فَبَينا يُسامُ الخَسفُ مِن كُلِّ وِجهَةٍ

إِذا هُوَ في بَطنِ الضَريحِ مُغَيَّبُ

فَلِلَهِ يا دُنيا حَياتُكَ كِربَةٌ

وَفيكِ غُرابُ البَينِ ما زالَ يَنعَبُ

رَأَيتُكَ مَحضَ الغِشِّ في مَحضِ قُدرَةٍ

فَلا مِنكِ رهبانٌ وَلا فيكَ أَرغَبُ

وَإِنّي وَإِن ضاقَت عَلَيَّ مَذاهِبي

لَدَيكَ فَصَدري مِن فِنائِكَ أَرحَبُ

اَرى بِكَ مِن نَكدي وَصَبري عَجائِباً

وَأعجَبُ مِن حالي وَحالُكَ أَعجَبُ

فَهَل فيكَ ضَيمٌ مِثلُ بُعدِ أَحِبَّتي

مَضى ذَلِكَ الأَمرُ الَّذي أَتَهَيَّبُ

بَكَيتُ عَلَيهِ وَاِنتَحَبتُ لَيالِياً

فَلَم يُجْدني ما كُنتُ أَبكي وَأنحَبُ

فَكَم لَيلَةٍ مِنها قَضَيتُ مُسامِراً

نُجومَ السَما طَوراً تُضيءُ وَتَغرُبُ

إِلى جانِبِ الوَرقاءِ تَندُبُ في الدُجى

شَجِيَّينِ طولَ اللَيلِ نَشكو وَنَندُبُ

تَشِبُّ شَراراتُ الأَسى بِتَرائبي

وَيُطفِئُها مِن ماءِ عَينيَّ صَيِّبُ

وَقَد كنتُ لا أَبغي خُمودَ صَبابَتي

وَأزجُرُ طَرفي إِذ يَجِفُّ وَيَنضُبُ

بِصَدريَ حَرُّ الشَوقِ بَرْدٌ يَلَِذُّ لي

وَعِنديَ وِرْدُ الدَمعِ وَاللَهِ طَيَّبُ

أَبى اللَهُ أَن أَهوى السُرورَ وَأَنَّني

عَلى غَيرِ صَوتِ النَوحِ أَشجى وَأُطرَبُ

لَئِن عَذُبَ التَعذيبُ لي قَبلَ ذا النَوى

بِوَجدي فَهَل بَعدَ النَوى لَيسَ يَعْذُبُ

فَيا لَيتَ شِعري هَل أَرى الدَهرَ مَرَّةً

لَدى غَفلَةٍ عَن نَكبَتي يَتَنَكَّبُ

أَلَيسَت لِتَصفو مِنهُ يَوماً سَرائِرُ

فَيَحلُوَ لي طَعمٌ وَيَنساغَ مَشرَبُ

أَما تُحفِظُ الأَيّامَ مِنّي وَقيعَةٌ

وَتَغضَبُ مِنّي مِثلَما أَنا أَغضَبُ

فَقَد طالَ وَصفي نَكدَها غَيرَ كاذِبٍ

أَلا لَيتَها تَسعى بِرَدٍّ وَأَكذِبُ

فَتَبّاً لَها مِن مُصمِياتِ سِهامِها

وَلا يَنفَعُ الإِنسانَ مِنها التَأَتُّبُ

هِيَ الدُجْنُ أَمّا صاعِقاتُ خُطوبِها

فَصِدْقٌ وَأَمّا البَرقُ مِنها فَخُلَّبُ

قَضى قَبلَنا الكِندِيُّ أَحمَدُ حِقبَةً

يُعَنِّفُها في شِعرِهِ وَيُؤَنِّبُ

عَلى أَنَّها الدُنيا إِذا شِئتَ وَصفَها

وَإِن لَم أَشا تَملي عَلَيَّ وَأكتُبُ

وَإِنّي وَإِن لَم تُحيني غَيرَ صَبوَةٍ

فَكَم ناشَني مِنها إِلى اليَومِ مَخلَبُ

سَأَشكُرُها إِذ أَنَّها مُذ حَداثَتي

لَقَد عَوَّدَتني الصَبرَ وَهوَ مُحَبَّبُ

وَقَد نَجَّذَتني الحادِثاتُ وَأَدَّبَتْ

وَلَيسَ كَمِثلِ الحادِثاتِ مُؤَدِّبُ

وَلَكِنَّها مِنّي تُمارِسُ شِدَّةً

وَقَد عَجَمتْ عودي فَعوديَ أَصلَبُ

وَما عَدِمتْ مِن شِدَّةٍ وَبَراعَةٍ

وَلَكِنَّ مَن لاقَت أَشَدُّ وَأَنجَبُ

وَلَكِنَّهُ لا نَفعَ فيها لِصابِرٍ

إِذا لَم يَكُن مِنها لَعَمرُكَ مَهرَبُ

مُحاكِيَةً لِلبَحرِ تَعلوهُ جيفَةٌ

وَفيهِ نَفيسُ الدُرِّ في القَعرِ يَرسُبُ

فَيَعدِمُ فيها الحَظَّ مَن يَستَحِقُّهُ

وَيُحرَمُ فيها الكَسبَ مَن يَتَكَسَّبُ

وَيَحظى بِها بِالجِدِّ مَن لا يَرومُهُ

وَيَشوى بِها بِالسَهمِ مَن لا يُصَوِّبُ

إِذا الحَقُّ لَم يُصبِح عَلى الكُلِّ سائِداً

فَلَيسَ لِحُرٍّ في البَرِيَّةِ مَأرِبُ

وَإِن عَدِمَ الحَقُّ المُبينُ نَصيرَهُ

فَما يَرتَضي بِالعَيشِ حُرُّ مُهَذَّبُ

وَإِن لَم تَكُن فينا عَلى الخَيرِ عُصبَةٌ

فَفيما سِواهُ ساءَ ما نتَعَصَّبُ

فَلَيسَ بِمَغنٍ لِلكَريمِ اِتِّساعُها

إِذا كانَ فيها الحَقُّ كَالمالِ يُنْهَبُ

لَكَم بِتُّ أُنضي هِمَّتي لِأُقيمَهُ

وَأُظهِرَهُ في بَعضِ أَمرٍ وَيُحجَبُ

فَما زالَ لِلأَبصارِ تَحتَ سَتائِرٍ

إِذا زالَ عَنهُ غَيهَبٌ جَنَّ غَيهَبُ

وَإنّي مِنَ القَومِ الَّذينَ هُمُ هُمُ

إِذا غابَ مِنهُم كَوكَبٌ لاح كَوكَبُ

عِتاقَ المَعالي قَد تَسامَت جُدودُهُم

عَلى الشُّمِّ مِمَّن أَنسَلَ الشَيخُ يَعرُبُ

لَهُم نِسبَةٌ في أقعَسِ المَجدِ عرقُها

لَه مَنزِلٌ فَوقَ السِماكِ مُطنَّبُ

أَصاحِبُهُم فيها الفَصاحَةُ وَالحِجى

وَبَذلُ اللُهى وَالمَشْرَفِيُّ المَدَرَّبُ

بُدورٌ إِذا الهاماتُ بِالبيضِ عُمِّمَتْ

لُيوثٌ إِذا الهاماتُ بِالبيضِ تُضرَبُ

بحورٌ إذا الأرزاءُ ألقتْ جرِانَها

غيوثٌ إذا الأعوام بالقوم تجدبُ

فَياصِلُ حَقٍّ بِالبَيانِ وَتارَةً

فَياصِلُ إِذ دارَ الأَصَمُّ المُكَعَّبُ

لَهُم حَسَبٌ يَحكي الشُموسَ وُضوحُهُ

يُزاحِمُ مَنهُ مَنكِبَ الشَمسِ مَنكِبُ

فَإن كُنتَ مَنسوباً إِلَيهِم فَإِنَّها

إِلَيهِم لَتُعزَى المَكرُماتُ وَتُنسَبُ

فَدونَ اِنتِسابِ المَرءِ لِلمَجدِ وَالعُلى

لَعَمرُكَ لا يَغنيهِ أُمٌّ وَلا أَبُ

فَما دُمتُ حَيّاً في الزَمانِ فَلَم تَزَل

عَليَّ حُقوقٌ لَيسَ مِنهُنَّ أَوجَبُ

أَهُمُّ بِأَشياءٍ كِبارٍ وَدونَها

مِنَ البُعدِ في ذي الحالِ عَنقاءُ مَغرِبُ

أَرى الفَتحَ يَدنو كُلَّما أَنا ساكِنٌ

وَيَبعُدُ عَنّي كُلَّما أَنا أَقرَبُ

وَقَد غادَرتْ قَلبي العَوارِضُ حائِراً

هُوَ القَلبُ مِن تِلكَ الحَوادِثِ قُلَّبُ

تَوارَدُ أَنواعاً كِثاراً وَكُلُّها

تُؤثّرُ في القَلبِ اللَطيفِ وَتَنشُبُ