ألا يا هندُ هل أحظى بعطفٍ
كما لو كنتُ أيام الشبابِ؟
وأيامَ الفتوَّةُ ملءُ نفسي
ومهدي حضنُ ليلى والرباب
وأيامَ الأماني مشرقاتٌ
وكأسي من حنان الغيد رابي
وأيامَ الهوى في عنفوانٍ
من الشوق الملحِّ إلى التّصابي
فلم أهجر وكنتُ بكُنَّ بَرًا
عطوفًا عند نأيٍ واقتراب
وكنت إذا أتيتُ الحيَّ قالت
فتاة ُالحي أهلاً في رحابي
ومرحى للذي قد جاء يبغي
وصال الغيد مع رشف الرُّضاب
فأغدو بينكنّ ولي أمانٍ
عِراضٌ بين مدٍّ واجتذاب
أخاف لطول عهدٍ أن تراني
فتاتي قد سُلختُ من الشباب
فأرسلها دموعًا مُحرقاتٍ
على الوجنات تجري في انسكاب
فيمسحنَ الدموع بكفّ عطفٍ
لها أرَجُ المخضّب بالملاب
فيهدأ خاطري وتثوب نفسي
إلى همسٍ رفيقٍ في عتاب
ألم توليكَ وصلاً دون هجرٍ
ولم تترُكْكَ تَشْقَى بالعذاب؟
كذا قد خنتِ يا ليلى فما لي
أرى هندًا تصدُّ عن الجواب
وتضرب صدرها بالكفّ خوفًا
من الرقباء من خلف الحجاب
وكانت قبلُ لم تعبأ بشيءٍ
إذ ما لُحْتُ من فوق الروابي
وتنهض إذ تراني في ذراها
تحيّيني بقُبْلاتِ العتاب
فقالت وهي تنظر نحو وجهي
إلى شيبٍ يلوح كما السراب
يلوح لناظرٍ ما كان يرنو
لغير فتوّتي بين الصِّحاب
رعاكَ الله قد ولّى زمانٌ
وعهدٌ كنتَ مصقول الإهاب
وكنتَ لكلِّ غانيةٍ منارًا
يضيء ظلامَها دون احتجاب
فلولا عطفُك الماضي لقلنا
طواكَ الدهرُ عنا كالكتاب
فلُمْ يا صاحِ دهركَ إن تجنّى
ولا تعتبْ على صَدِّ الرباب
فتلك طبيعة الغادات غدرٌ
إذا ما الشّيبُ جار على الشباب