ثَورَةُ النُّورِ أَشرَقَت فِي وَرِيدِي
و أَشَعَّت فِي خَافِقِي يَومَ عِيدِي
بَعدَ غَيمٍ وَارَى الضِّيَاءَ وأَخفَى
دِفئَهَا، جَاءَت كَي تُذِيبَ جَلِيدِي
فَتَغَنَّت مِلءَ الضُّلُوعِ طُيُورِي
و اْرتَوَت رَوضَتِي وفَاحَت وُرُودِي
مَرَّ عُمرٌ، حَسِبْتُهُ ضَاعَ مِنِّي
دُونَ بُشرَى تَخُطُّ شَكلَ وُجُودِي
وكَأَنَّ الَّذِي مَضَى مِن حَيَاتِي
كَانَ صِفراً عَلَى شِمَالِ قَصِيدِي
كَانَ لا شَيءَ قَبلَ أَن تَتَهَادَى
فِي المَجَرَّاتِ شَمسُ هَذَا الوَلِيدِ
كَانَ غَيْباً فِي ظُلمَةِ الرَّحْمِ يَحيَا
مُنذُ خَمسِينَ فِي صِرَاعٍ شَدِيدِ
فَأَتَى لِلحَيَاةِ مِن بَعدِ لأْيٍ
لِيَرَى النُّورَ بَعد لَيلٍ بَلِيدِ
جَاءَ والبِشْرُ سُبحَةٌ فِي يَدَيهِ
بِشُمُوعٍ وزَهرَةٍ ونَشِيدِ
جَاءَ كَالنِّيلِ فَارِساً عَرَبِيّاً
يَتَبَاهَى فِي حُسنِهِ المَعهُودِ
يَحضُنُ النَّخلَ فِي شَوَاطِئِ سِينَا
و يَبُوسُ الثَّرَى بِأَقصَى الصَّعِيدِ
وكَأَنِّي بِهِ يُرَشرِشُ عِطراً
فِي المَيَادِينِ فَوقَ هَامِ الحُشُودِ
يَرفَعُ الصَّوتَ مِثلَهُم ويُنَادِي:
يَا بِلادِي: قَد آنَ لِي أَن تَعُودِي
يَا بِلادِي: أَوحَشتِنِي، فَدَعِينِي
أَرْضَعِ الحُبَّ مِن لَمَاكِ، وجُودِي
طِفلُكِ الغَضُّ طَائِرٌ دُونَ رِيشٍ
أَو جَنَاحٍ، أَلقَوْهُ خَلفَ الحُدُودِ
غَرَّبُوهُ، والرِّيحُ كَالذِّئبِ تَعوِي
يَا لَرِيحٍ كَادَت بِطِفلِكِ تُودِي
فَاْحتَوِيهِ ..يَا أُمَّهُ .. واْمنَحِيهِ
فِي رُبَاكِ الأَمَانَ بَعدَ صُدُودِ
وإِذَا مَاتَ عَاشِقاً فَاْجعَليهِ
فِي كِتَابِ الوَفَاءِ سَطرَ خُلُودِ
صَرخَةٌ دَوَّتْ فِي مَيَادِينِ عُمرِي
فَأَصَاخَت لَهَا مَسَامِعُ عِيدِي
غَيَّرَت وَجهَ الأَرضِ بَعدَ بَوَارٍ
فَاْرتَدَت مِصرُ ثَوبَ عَهدٍ جَدِيدِ
رَدَّدَ الشَّعبُ فِي يَنَايِرَ لَحناً
صَادِقَ النَّبْضِ، مُرعِباً كَالرُّعُودِ
قَالَهَا، فَلتَرحَلْ وذُقْ مُرَّ كَأسٍ
جَرَّعَتْنَا يَدَاكَ مُنذُ عُقُودِ
كُنتَ تَحيَا مُنَعَّماً فِي قُصُورٍ
لا تُبَالِي بِجَائِعٍ أَو شَرِيدِ
وإِذَا مَا ثَارَت عَلَيكَ جُمُوعٌ
رَدَّ هَامَانُ بِاللَّظَى والحَدِيدِ
كُنتَ تُصغِي إِلَى بِطَانِةِ سُوءٍ
كُنتَ تَنأَى عَن نُصحِ كُلِّ رَشِيدِ
فَنَمَت بَذْرَةُ الفَسَادِ، وحَادَت
خُطوَةُ الحَقِّ عَن طَرِيقِ الجُدُودِ
الثَّلاثُونَ شَاهِدَاتٌ عَلَى مَا
ذَاقَهُ الشَّعبُ فِي لَيَالٍ سُودِ
والحَضَارَاتُ سَجَّلَت فِي كِتابٍ
أَنَّنَا لا نَرضَى بِذُلِّ القُيُودِ
جَيشُنَا والشَّعبُ العَظِيمُ كِيَانٌ
مُشرَئِبٌ فِي وَجهِ كُلِّ حَقُودِ
لَيسَ لِلفِتنَةِ العَقِيمَةِ بَابٌ
يَنفُذُ الكُرهُ عَبرَهُ لِلجُنُودِ
يَشهَدُ التَّحرِيرُ اْرتِقَاءَ سُلُوكٍ
عَبقَرِيٍّ فِي وَصفِهِ، مَشهُودِ
قَالَهَا الشَّعبُ لِلظَّلُومِ: كَفَانَا
مَا لَقِينَا فِي عَهدِكَ المَوْؤُودِ
دَعْ لَنَا مِصرَ واْرتَحِلْ عَن ثَرَاهَا
مَالَكَ اليَومَ عِندَنَا مِن رَصِيدِ
ذَا حَصَادُ الأَمسِ الَّذِي مِن دِمَانا
قَد تَرَوَّى، فَذُقْ مُرارَ الحَصِيدِ
لَم نَكُن أَهلاً لِلشَّمَاتَةِ، لَكِنْ
هُوَ عَدلُ المُهَيْمِنِ المَعبُودِ
إِنَّهُ الحَقُّ عَاد مِن بَعدِ ظُلمٍ
و أَشَعَّت شُمُوسُهُ فِي الوُجُودِ
فَطَوَى النِّيلُ صَفحَةً مِن سَوَادٍ
و مَضَى فِي طَرِيقِهِ المَعهُودِ
يَتَبَاهَى، وكَيفَ لا يَتبَاهَي
بِشَبَابٍ مُكَافِحٍ صِندِيدِ
سَاقَ لِلنَّصرِ أَلفَ أَلفِ جَرِيحٍ
و لأَجلِ الخُلودِ أَلفَ شَهِيدِ
فَغَدَت مِصرُ بَينَ كُلِّ ذَوِيها
دُرَّةَ التَّاجِ، نَجمُها فِي صُعودِ
لَيسَ يَثنِيهِِ عَن بُلُوغِ مُرَادٍ
حُجُبٌ أَو غَيمٌ بِدَربِ السُّعُودِ
فَاْصدَحِي اليَومَ يَا رَبَابُ وغَنِّي
و أَعِيدِي اللَّحنَ الشَّجيَّ لِعُودِي
أَوْقِدِي لِي فِي القَلبِ شَمعَةَ وَجدٍ
و اْرفَعِي رَايَاتِ الشُّمُوخِ بِعِيدِي
ودَعِينِي مِن بَعدِ خَمسِينَ قَهراً
أُعلِنِ الآنَ مَولِدِي مِن جَدِيدِ