في مملكة العجائب يحتار القرار
تضيع حقيقة النخب والأحرار
في سرداب الزمن المعطر
حيث الروائح تحفظ الأثر
تحيا بلا أقنعة، بلا خدر
تشير للخواء إذا انفجر
لسنا لمن يقدح الرأي المنتظر
ولا نساير وهمه، ولا الغرر
خياله السقيم ما استقر
نحن الذين لا ندافع عن البصر
ولا نرضى للهوى، ولا ننحني للغبار
نحن الصمود على حافة الحجار
يكبر المأزق إن سكت البشر
ويغرق الشرف إذا انغمر
لا نجادل في الحضر
صمتنا رغم الجراح وقر
لكنهم لا يعرفون به الوفر
والصدق قد ردم التراب على الأثر
كم يحزن القلب الأبي العار
وكم تكلمت الأعوام، وانصهر
كم على شاطئ الحكمة من تعبير
لجج الغباء.. فما وجدنا نظر
حين الخواء يصير صوتا نشير
وتصير الثرثرة صمتا معتذر
فالصبر آت، كالقوافل والنثار
سيحط في مملكة العجائب... ويفتر
نقرأ مقالات الأحداث الغر
عرّت الشرف، والصدق، والضمير
لكننا ننتظر الشمس خلف التكدير
كالبحر يغسل أدران الحجر
في مرآة لا تخدع البصر
رأينا وجوهنا بلا قناع، بلا ستر
الخواء ينطق، والوجع يزهر
والصمت يكتب ما عجزت عنه الفكر
قلنا للظلام: لا نهابك إن حضر
ولا نخفي النور إن انكسر
نحن أبناء الظلال، لا ننكر
لكننا نضيء حين يغلق الستار
من رحم الصبر، يولد النور
ومن وجع الصدق، يسطع البدر
لا نساوم على البَهْر، ولا نؤجر
نحن من يعيد للضمير فكره إذا ثار
سيأتي يوم، لا يعلن بالنذر
بل يولد من صمت مستثار
تتكلم فيه الجراح، وتكشف الأسرار
ويصبح الصبر تاجا فوق رؤوس الأبرار
انهار العالم بعدم الضمير، لا بالقدر
تكسّرت المعاني، وتبعثرت الصور
لكننا لم نغلق الأبواب، ولم نكسر
بل جمعنا شظايا الأضرار
الصبر ليس انتظارًا لما يُقرَّر
بل هو فعلٌ يُعيد تشكيل القدر
هو أن تقول "أنا هنا" حين الفَتَر
وأن تُضيء حين يُطفئك السَّحَر
صدق القول ليس شعارا ينشر
بل سلاح يشهر حين الفكر يحاصر
هو أن تجاهر بالحقيقة، ولو انفجر
هو أن تنقّي الصوت من كل ما تعثر
انبثق النور، لا من الشمس، بل من الجمر
من جراح لم تخفها الأيام، بل أظهر
من صمت بين الدروب، استمر
صار في الطريق وبالحبر انتشر
عدنا إلى الذات، لا هربا، بل قرار
إلى حيث ينطق الصمت، ويكتب القدر
إلى حيث القصيدة ليست نظما، بل مسار
وحيث كل بيت يعيد تشكيل البشر
الشعر ليس طربا يقال في السمر
بل هو جرح ينشد، وصرخة تنثر
هو أن تقول "أنا" حين ينكر
وأن تعيد للمعنى وجهه المسطر
كم نفينا من الذات، وكم انكسر
لكننا عدنا، لا لنُقيم، بل لنُعبر
نُعيد بناء الصوت، ونطهّر
ونجعل من كل قصيدة بابا يبشر
الذات وطن، لا يباع ولا يؤجر
هي مملكة العجائب حين ينكر
هي الحافة، وهي المركز، وهي المحور
وفيها يولد الشعر، ويشفى الضجر
تكلم الرمز، لا بصوتٍ، بل بنبضٍ ينذر
كل حرف فيه مجرة، وكل صورة مستقر
عن ذات لا تخفي، ولا تؤجر
بل تضيء، وتعانق، وتفجّر
لم تعد القصيدة بيتا ينثر
بل كائنا يتنفس، ويفكر
يحاور الزمن، ويجابه الغدر
ويعيد للمعنى وجهه المطهر
من مملكة العجائب، إلى فضاء أكبر
حيث لا حدود، ولا جدر
حيث الرمز يصبح غيما، والصوت مطر
ينبت ملحمة لا تنتهي، بل تزهر
في مملكة العجائب، لا أغلق السطر،
بل أفتحه على أفق لا يكسر
هذا النبض الأخير، لا يغلق المسير
بل يفتحه على أفق يبشّر
أن الشعر مشاعر وأفكار وتعبير
وأن الذات حين تصدق، تثمر وتنير