يا من فرضتَ على الزمان عُلانا
لولاك ما كان الزمان زمانا
مضتِ الليالي الحالماتُ فعُدْ بها
حتى تراك عيوننا وترانا
الأربعون وقد مضت مشبوبةً
بالخَطْب فجَّرتِ الأسى بركانا
أضفَتْ عليك رثاءها وبكاءها
وتوشّحت بسوادها الأشجانا
من كل مكلوم الفؤاد مفزَّعٍ
ومروَّعٍ يرجو لديك أمانا
قد أذهل الشوقُ النفوس فأقبلتْ
حول الضريح تقبّل الجدرانا
واستنزف الدمعُ العيون فأسبلتْ
ماءَ القلوب ضراعةً وحنانا
والشمسُ كاسفةٌ، هوى لشعاعها
غيمُ السماء وأشفقت بدمانا
والطير أوحشتِ الرياض وقد ذوَتْ
فيها الورود، وعافتِ الألحانا
وصدى انتحاب الشعر بات مقدَّرًا
ألا يرى «الخنساء» أو «حسَّانا»
بِتْنا على موج الهموم، وقد مضى
ركبُ السفينة يندب الربّانا
وشَدَتْ بك الأكواخ من أعماقها
وتجهّمت بأسى الحقول رُبانا
وعلت شَكاةُ الكادحين فقم لها
ما كنتَ عن إنصافها تتوانى
طال الرحيل فهل تظل مسافرًا
عبرَ السنين ولا ترى الأوطانا؟
حزنٌ يطول تزايدت في ليله
سلوى القلوب شراسةً وحِرانا
من كفَّروك وخوَّنوك تعلّقوا
بستار نعشك نادمين حزانى
حملوا براهينَ القداسة خُشَّعا
لم يتركوا من صدقها برهانا
وشدوا بماضيك المشرّف عندما
هَزَم الطغاةَ وحَطّم الأوثانا
وتُقاك أزهرَ في القلوب فأثمرتْ
يُمنًا أحال بُغاثها إنسانا
وعدوتَ نحو الموت غيرَ محاذرٍ
لم يُلوِ عَدْوُكَ للجواد عِنانا
والبذلُ طابعك الأصيل فلم تكن
آنًا تضيق به وتنهض آنا