ألا قمْ فذكِّرْنا وسلسِلْ حَيَا الذكر
وقصَّ حديث الموت فينا مع القبرِ
ففي الذكر إبلاغ وفي الموت عبرةٌ
وفي رقدة القبر التيقّظُ للدهر
عجبتُ لها دنيا تجود لتشتفي
وتخضرّ أحيانًا لتَيْبس بالفور
فإنْ قرّبتْ أفضت إلى الهمِّ والبلا
ولو أضحكت يومًا تبكيّ مدى العمر
وما المرء فيها غير عودٍ بكفِّها
يقلَّب طوعَ الكفّ في القرّ والحَرّ
وجودُكَ فيها مستعارٌ وهالكٌ
وشخصك فيها كالخيال إذا يَسْري
وما أنت إلا كالمسافر إن يُقِمْ
فوقتٌ، وإن يرحل فسرعان ما يجري
فويحك دارِكْ بل ودارِ بها الردى
لتحظى بدار الخلد في آخر الدور
وطلّق هواها بالثلاث فإنه
هوانٌ به الإنسان يهوي إلى الشرّ
أسِفْتُ لها دنيا غرورٍ وخدعةٍ
وسمٍّ زعافٍ طيّ مطعمها المر
حظرْتُ على نفسي احتساء شرابها
فنشْوَتُها تزري وتردي بلا سُكْر
وتبْتُ إلى ربي وخالق قوّتي
وبارئ نفسي للعبادة والبِرّ
وأيقنت أن الحَبْر من عاش عمره
مع الله صدقًا في الخفاء وفي الجهر
يعيش سعيد العلم بالله والرّضا
ويحيا به إن مات في خالد الأجر
إذا كنت في شك فذلك شيخنا
وآيتنا الكبرى على رفعة القَدْر
هو الحي ميتًا والحياة بذكره
تفيض جلالاً من مكارمه الغُرّ
وما مات من كانت بقاياه بيننا
صنائع تزري بالدراريِّ والدرِّ
لعمرك ما مات الإمام وإنما
تنقّل من دار الشقاوة والهتر
وأقبل في دار السّعادة والمنى
لتحيا به الداران حقًا بلا أمر
فما هو إلا شمسُ نورٍ وحكمةٍ
ومن عادة الشمس التنقّل في السير
هو البحر إلا أنَّ جوهره هدى
سوى أنه الفياض في البر والبحر
تعهّد قلب الناس بالعلم والتُّقى
وأحيا رفات الدين بالبعث والنشر
وكم ألّف الأبيات في القوم نفعها
يضيء ولا ضوء الشموس على القطر
فألفاظها درّ ومعنى جمالها
يعيد حياة النفس كالأرض بالقطر
أقمْنا لك التذكار لا عن تذكّر
لماض نسيناه من البعد والهجر
فإنك باقٍ في القلوب وإن مضى
على عهدكم عامان يا زهرة العصر
ألا إنما التذكار فرضٌ مقدسٌ
ومسرحُ تمثيلِ الفضائل بالذكر
يضيء سناه كل بدوٍ وحاضرٍ
ويبدو شذاه دائمًا فائح العطر
ويحْفِزُ للعليا النفوس بهمّةٍ
ويملأ قلبًا للمشاهد بالخير
فيأيها النور المبارك نظرةً
تروّح رَوْحَ العاشقين أولي الفكر
عهدناك حبًا للمساكين كعبة
ولليتْم أُمّاً في الحنان وفي الصبر
حنانٌ حوى في حاء فسحته ندى
وصبر ولا صبر الوقوف على الجمر
ولا غرو أنْ كنا نرجّي نوالكم
وأنت تجيب السؤل في تربة القبر
فإنك غيثٌ والغيوث إذا أتت
بأرضٍ تعيدُ الزرع للناس بالفور
عليك سلام الله ما هلَّل امرؤٌ
لذكراك أو هام الشجيّ من الذكر
وصلِّ إلهي كل آنٍ وسلّمَنْ
على بهجة الأكوان والشفع والوتر
بتعداد ما حن الحبيب إلى اللقا
وغاية ما تأتي النهاية في الشِّعر