كتمتُ الحزن والكتمانُ أحرى
فسيَّره سحابُ الدمع جهرا
وقلتُ الصبرَ يا نفسي فهاجت
كأني قلت كفّي عنك صبرا
وصار النور في عيني ظلامًا
وأمسى العيش بعد الطيب مُرّا
وكيف يطيب في دنيايَ عيشي
و«أنسي» بدرُه قد حلّ قبرا؟
فيا لهفي على ركن المعالي
على من كان للأحباب ذخرا
ويا حرَّ الفؤاد على أديبٍ
إذا نظم القريض حباكَ درّا
على من للمروءة كان خِدنًا
يقوم بحقها فعلاً وشكرا
على روضٍ نضيرٍ من شذاه
ذكت روح الهدى طيّاً ونشرا
على من كان مِبساماً بشوشاً
يُهاب ويُرتجى قدراً وبِشرا
سليمُ الذوق «محمود» المزايا
شريفُ النفس مهما رام أمرا
فأخبرْني بحقِّك أيّ قلبٍ
يطيق لمثل هذا الشهم هجرا؟
وأيّةُ مقلةٍ لم تجرِ بحرًا
على من كان للآداب بحرا
على من كان من بيتٍ كريمٍ
يفوق على الورى مجدًا وفخرا
على خير امرئٍ لو كان يُفدى
فديناه ولم نسأله أجرا
فيا عيني القريحة لا تجفّي
فلست بقابلٍ للعين عذرا
ولستُ أحاول السلوان عمري
ولكن أسأل الرحمن صبرا
كما أني أعزّي فيه قومًا
تساموا في الورى كرمًا وقدرا
أعزّي فيه والده وآلاً
يودّون الفدا لو كان يُشرى
أعزِّي آلَ دمياطٍ وصحباً
وآلَ الشام أجمعَ ثم مِصرا
أعزّي أهله كعزاء نفسي
وسائر من بهذا الكون طرّا
أعزّي العلم والآداب فيمن
لها قد كان مصباحاً وبدرا
فما جاء الزمان بمثل «أنسي»
ولن يأتي لنا بسواه حرّا
بفطنته المحاكم قد تحلّتْ
كما شَرحت به القانونَ صدرا
لذاك اختاره شهمٌ خطيرٌ
يفوق بعدله عن عدل كسرى
رآه عالمًا في كلِّ فنٍّ
ففضَّله على الأدباء دهرا
وصافاه وأكرمه زمانًا
لحين اختصّه مولاه أمرا
دعاه لقربه المولى فلبّى
وأهدى روحه للقرب بُشرى
أعزّي فيه كل فتًى عفيفٍ
يجلّ لمن فقدنا الدهرَ ذكرا
وأدعو للفقيد بكل خيرٍ
يشيِّد في الجنان له مقرّا
فتًى بأجلّ تقوى الله أضحت
له شِيمٌ سَمتْ في الكون طُهرا
دعاه لجنّةِ الفردوس حقّاً
وأكرمَ ربُّه مثواه بِرّا
بجناتِ العلا آوى ولكن
لنا قد أورثَ الأحزان تترى
ولولا أنّ دار الخلد طابت
مقرّ المتقين ضللتُ فكرا
فأمطرْ ربنا رحماتِ فضلٍ
على قبرٍ سما الافلاك فخرا
على قبرٍ به أنزلتَ ضيفًا
كريمًا في جوارك نال خيرا
وألهمْنا عليه أجلَّ صبرٍ
وعظّمْ فيه للباكين أجرا
له الرضوانُ ما دامت سماءٌ
وما ناح الحمام عليه عمرا
وما من سيّدٍ أنشا رثاءً
على شهمٍ أتاه الموت غدرا
وما قد قال حين رِثا صديقٍ
كتمتُ الحزنَ والكتمانُ أحرى