جَديرٌ بكَ الفخرُ ما أروَعَكْ
وما أروعَ الفجرَ في موضِعِكْ
وما أطربَ الغُصْنَ حينَ تغنّي
مزاميرَ يا قُوتَةٍ في فَمِكْ
لصيقٌ بكَ العطرُ والقطرُ حتى
شَذا الزَّهرِ يرتاحُ في مَخْدَعِكْ
تربَّعتَ كالبدرِ بينَ الليالي
فكُلُّ الغلا في العُلا منكَ لكْ
شقيقٌ لكَ الحُسنُ فانظُرْ لثغرٍ
إذا ما بدا خَرَّ من مَبْسِمِكْ
فمَهْمَا بدا في الجَمالِ قِياسٌ
فسِرُّ الذي قد بدا مَرْجِعَكْ
لَعَمري إذا باتَ قلبٌ كئيبٌ
فأنتَ الطبيبُ لِهذا السَّقَمْ
تُداوي إذا ما حضرتَ بطرفٍ
إذا ما رآهُ الصَّبيُّ احتَلَمْ
فأنتَ الكمالُ الذي لا يُضاهى
جمالاً وإن نافَستْهُ العَجَمْ
بِعينيك نصفُ الجمالِ تَجلَّى
ونصفٌ تَجلَّى بِباقي الأُمَمْ
فانت المجسّد في كل شكلٍ
اذا لم يَرُم من سناك انعدم
تشَكَّلَ يراكَ الكيانُ ليبقى
على غُصَّةٍ يَعتريه الألمْ
كَفاني أسيرَ الهوى حَرِّروني
فقد طالَ صبرٌ عليه أسيرْ
إن كانَ ذاكَ الطريقُ يُؤدي
إليهِ لهانَ الشَّقا والمصيرْ
فحَسبي مقامي في العشقِ فاشهَدْ
شهيداً ولو كانَ يومي الأخيرْ
ويَكفي جهادي في الحبِّ سِرّاً
عَميماً تقلَّدتُ نَسرَ الأثيرْ
تَهادَى الرَّبيعُ إليكَ بلحنٍ
وغنّى لكَ الحرُّ والزَّمهريرْ
فهل يا حبيباً لرؤياكَ يَكفي
فعُمري لعمري بهجرٍ قصيرْ
فذا الحُسنُ فيكَ فلا تزدريهِ
وتَرميهِ بينَ الضِّباع الجِياعْ
وأَكرمْ بها خَصلةً في الثَّنايا
خَليلاتها خلفَ ذاكَ القناعْ
فحُسنٌ لكَ في صميمٍ تَجلَّى
فقمْ وانخَلِ التَّبرَ دونَ اصطناعْ
ولا تترك الفخرَ في ضَحلِ كِبرٍ
يُنمي خيَلاَءَهُ من طباعْ
فيُهدي من القِشرِ شَكلاً جميلاً
غروراً ليرميكَ نحو الضِّياعْ
لأفديكَ يا لُبَّ قلبي بروحي
ولو ماتَ جِسمي بذاكَ الصِّراعْ
فَلسْتَ الخَريرَ الذي يَدَّعي
على أنَّه المزنُ بينَ الشِّعابْ
ولَستَ الغَمامَ الذي قد بدا
يُغَذِّي بَذيرَاتهِ في التُّرابْ
ولَستَ الذي خاطَ وَهماً وأضحى
شَغُوفاً ليَكسُوهُ ثَوبَ السَّرابْ
لأنَّ الذي مَلكَ قلبي لِساني
إذا ما نوى باحَ فَصلَ الخِطابْ
لأني الذي لا أُمني صَريح
ولا أركبُ الصَّرحَ ظهرَ اليَبابْ
وما كانَ من نقشِ وَهمٍ فمَهْمَا
تراء بعهدٍ لفي النفسِ ذابْ
فلَو خيَّروني بأنّي أعودُ
سنيناً بأحداثِ ذاكَ المكانْ
لَشَمَّرتُ عزمي وأبديتُ حَزمي
أُعيدُ الذي قد لَحاهُ الزَّمانْ
فلَو يعلمُ المرءُ في الغيبِ شيئاً
لَحاطَ الهوى منعةً من صَوانْ
فذا اغترَّنا البوحَ أنا بروجٌ
بِإيوانِنا الروحُ بينَ الكيانْ
فنَلهو ولا نَقتفي ما تَركنا
بإهمالنا رَوضةً من جِنانْ
يعيثُ الخَنا في رُباها ويرقى
على باقةِ الزَّهرِ والأقحوانْ
صنيعَك لا نَلوذُ بألفِ عُذرٍ
فأنتَ الذي خانَ يا ألعَبانْ
أيا من رفعتَ الرِّياء شِراعاً
لفُلكٍ فتمضي وتبغي الرَّحيلْ
فمن كلِّ شَطٍّ تَغيَّرَ وتنحَّى
وتَمخُرُ نَفسَ المدى والدَّليلْ
بماذا تُباهي بعقلٍ عَقيمٍ
أسيرَ المجونِ بذَيلٍ طويلْ
فتزدادُ يوماً ومن بعدَ يومٍ
شذوذاً شُروداً بذاكَ السَّبيلْ
وإن تمنَحَ الحبَّ تَلقى جَزاءً
وما مِنحةُ الحبِّ إلا العليلْ
فأبشرْ أيا خَاوي الوَجدِ شراً
ويا حَاوي الخيرِ صبراً جميلْ
أيا هَاتك العرضَ باسمِ الغرامِ
أتَحوي قليلاً من الكبرياءْ؟
فرَبُّ السَّما قد أمَدَّكَ جسماً
لتحمي من الرِّجسِ سِرَّ السَّماءْ
فتدنو إلى اللهِ في الصُّبحِ شفعاً
وتَرنو إلى الخبثِ هذا المساءْ
تُنادِي بحواءَ في العرضِ فخراً
وما أبعدَ القَرضَ ذاكَ الوَفاءْ
وما أبعدَ الوعدَ من جهرِ لغوٍ
سقَتهُ الرذيلةُ عهرَ الرياءْ
فَتَهوى من الأصلِ رباتِ بيتٍ
تُجرِّدُهنَّ لِباسَ الحَياءْ
وتلبسُ من ألفِ وجهٍ قِناعاً
قِناعَ التَّقيةِ والاغتِواءْ
وكُنْ دارسَ العلمِ فحلاً نَجيباً
وكُنْ فارِساً من رَعيلِ الرِّجالْ
وكُنْ سائسَ الحرفِ بالقلبِ تُصغي
ولا تَقرَبِ اللغوَ والابتذالْ
ورَبِّي إذا جادَ قولُك سمعاً
خصالَ التَّواصُلِ حينَ السِّجالْ
وكُنْ راعياً في عِيالكَ سِتراً
كما تَرتَضي عن بناتِ الحلالْ
فلا تَنهَرِ البنتَ إثماً وتأتي
بما سَامَهُ من صُنوفِ الظلالْ
فندري فما المرءُ كانَ نَبياً
ولا كانَ أن يَعتريه الكمالْ
فأجدَى إلى المرءِ أوساطَ عيشٍ
فما أجملَ الدِّينَ بالاعتدالْ
ظننا رجالاً فصاروا تيوساً
وما أقربَ الرَّأسَ عقلَ البغالْ
فهاموا على شهوَهم في البراري
بأهوائهم حفظَ نسلٍ ومالْ
وإن حلَّ فيهم صُروفٌ لِدَهرٍ
أَماطوا إلى الكفرِ لَفظَ الجلالْ
فأيدِيهم قبلَ حِلمٍ تُعادي
بعيداً عن السِّلمِ بالاقتتالْ
وإن هادَنوا للحِوارِ فَوَيْحي
وأفواهُهم مثلَ جوفِ النِّعالْ
فما أصلَبَ النفسَ بالصَّمتِ صَخرٌ
وما ألينَ النفسَ بالانفعالْ
فَنَفسٌ لكَ فاكْتنِزْها خِصالاً
وكُنْ وارِفَ الفيءِ بينَ الظلالْ
وحَكِّمْ بعدلٍ إذا قلتَ شَرعاً
وبادرْ إلى الحكمِ بالاعتدالْ
ولا تَرتَمي في فتاوى بِجَهلٍ
وشاورْ ذوي العلمِ ذاكَ المجالْ
ولا تَحضِنِ السِّينَ دونَ بَيانٍ
إذا جُبَّ للعينِ كَشفَ الهِلالْ
فقلبٌ لكَ قالَبٌ فاحتَوِهِ
وجَمِّلْ منَ الوعيِ ذاكَ المَجالْ
ووَطِّدْ بِبَذرٍ لِفي الأرضِ غَرْساً
يَطِيبُ قَطفُهُ من صُنوفِ الغِلالْ
وكُنْ شاكِراً ربَّ رِزقٍ وأكرِمْ
بمنْ مَنَّ باليُمنِ ذاكَ الجمالْ
فكُنْ يا شذا الطَّلعِ حبّاً جميلاً
وطِبْ مُحمَلاً بينَ كَفِّ الرِّياحْ
فَيُرسيكَ في شاطئِ الحُبِّ زَهرٌ
على مِيسَمٍ من نَسيمِ الأقاحْ
فما فاحَ زَهرٌ بِعطرِه إلا
تبارَكَ طَلعٌ بخصبِ اللِّقاحْ
فكُنْ زاخِرَ النفسِ كالطَّلعِ تَحذُو
إلى غُصَّةِ الزَّهرِ تَكوي الجراحْ
كريماً بما مَدَّكَ اللهُ رزقاً
عفُوّاً إذا ما خَفضْتَ الجناحْ
رؤوفاً بِحواءَ إن حَلَّ كَربٌ
فأَولى إلى الضَّربِ شَدَّ الجَماحْ
فَكُنْ فارِساً تتَّخذكَ أَميراً
تَكُنْ في بَلاطِكَ شَمسَ الصَّباحْ