رَكِبْتُ دَرَّاجَتي أطوي الطريقَ بها
إلى(الجَزائِر) مِنْ (وَهْرَانَ) تحْمِلنِي
تُسقى بِمَاءٍ تعَافُ الخيلُ نكهَتهُ
وَ لا تَذوقُ طعَاماً آخِرَ الزَّمَنِ
فكمْ أجُوزُ قرىً دونَ الوُقوفِ بها
وَ كمْ أُقَطِّعُ غيطاناً بِلا وَهَنِ
لو امتطاهَا امْرؤُ القيسِ ارْتقى مَلِكاً
وَ عَادَ بالظفرِ المَنشُودِ لِلوَطَنِ
زُوَّادَتِي مِنْ لُفافاتٍ وَمِشْعَلَةٍ
أحْببْ بهَا مِنْ رَفيقٍ لا يُكَدِّرُني
تطفِي هُمُومِي فتفنيها سَحَائِبُهَا
فاعْجَبْ لِمُخلِصَةٍ تفنى لِتُسْعِدَنِي
وَصَلتُ (أرْزُو) وَلمْ أنزلْ بهَا أبَدًا
فَ(مُستغانِمُ) عَنْ بُعْدٍ تناشِدُنِي
جَناتُ عَدْنٍ ضَوَاحِيها فمَا وَقفتْ
سَبَّاقةُ الرِّيحِ إلا فِي رُبَى عَدَنِ
وَسَّدْتُ رَأسِي مَخدَّاتِ الرَّبيع بِهَا
وَ ارْتاحَ فوْقَ شَذى أزْهارهَا بَدَنِي
وَاسْتقبلتنِي رُبَى (الأصنام) ضَاحِكةً
ثغورُ رَيْحَانِها بالطّيبِ تَنفَحُنِي
ذَكَّرتِني يَا رُبى (الأصنام) رَبْوَتَنا
إذ نحْنُ فوْقَ بِسَاطٍ أخضَرٍ لَدِنِ
نقتاتُ شِعْراً وَ نَحْسُو خَمْرَ أُغنِيَةٍ
وَ أَسْمَعُ البَوْحَ مِنْ عَيْنٍ تحَدِّثنِي
فِي جَنَّةٍ تحْتَها الأنهَارُ جَارِيَةٌ
لَمْ تسْمَعِ اللغوَ فِي أَنحَائِها أُذُنِي
تنهَدَ الحُبُّ فِي أغصَانِها فَهَفَتْ
مَا بَيْنَ مُعتَنِقٍ شَوقاً وَمُحتَضِنِ
وَيا حَدائِقَ (عَفرونٍ) تَيَقَّظَ فِي
قلبي لِرؤياكِ حُبٌّ مَاتَ مِنْ زَمَنِ
كَأَنَّنِي وَ أَنا ألقاكِ فِي حُلُمٍ
لِغوطةِ الشَّامِ لِلجَنّاتِ يَحْمِلُنِي
هَذي بَسَاتينُهَا هذي مَزَارِعُها
وَ ذاكَ دوريُّها يَشْدو عَلى الفَنَنِ
وَهَاهُمُ الصَّحبُ هَامُوا فِي خمَائِلِهَا
يَا قلبُ صَفقْ فأنتَ اليَومَ فِي الوَطنِ
وَ فِي (البُليدةِ) هَامَ القَلبُ مُنتَشِياً
فالظِّلُّ وَالعِطرُ وَ الأنسامُ تَتبَعُنِي
تَحَيَّرَ الطَّرْفُ فِيهَا بَيْنَ مُفتَرَقٍ
مِنْ أيْنَ أمْضِي كِلا الدَّربَيْنِ يَجْذِبُنِي..؟
فذاكَ فِي ظلهِ المَمْدودِ أدْهَشَنِي
وَذا بنشْرٍ وَسِحْرٍ رَاحَ يُسْكِرُنِي
حَتى وَصَلتُ طريقَ الخلدِ فانفرَجَتْ
عَني هُمُومِي وَكرْبي وامَّحى شَجَنِي
دَرْبُ (الجَزَائِر) هَذي فلتطِرْ فَرَحاً
يَا قلبُ وَاطرَبْ فإنَّ القرْبَ يُطربُنِي
هَذي (الجَزَائِرُ) عَنْ قُرْبٍ تلوِّحُ لِي
بشَاهِقاتٍ عَلتْ تَسْمُو عَلى القُنَنِ
أرْضَ البُطولاتِ جَاوَزْتِ العُلى وَهَوَتْ
تحْتَ الجَناحَيْنِ أَشْلاءٌ مِنَ الفِتَنِ
المَجْدُ تحْتَكِ عَرْشٌ تَنعمِينَ بِهِ
وَالنصْرُ تاجُكِ لمْ يُلبَسْ بِلا ثمَنِ
وَالصَّولَجَانُ إبَاءٌ تأمُرينَ بِهِ
مَا رُمْتِ شَيئاً عَزيزَ النَّيلِ لمْ يَكنِ
بالأمْسِ ثَوْرَةُ تحْريرٍ أفاقَ لهَا
تاريخُ مَجْدِكِ مَذعُوراً مِنَ الوَسَنِ
فِي كلِّ حَبَّةِ رَملٍ مِنْ ثَراكِ دَمٌ
وَ أينمَا سِرْتُ أرْوَاحٌ ترَافِقنِي
دَفعْتِ أُسْدَ الفَلا لِلحَرْبِ فاندَفعُوا
لمْ يَأخذوا النَّصْرَ فِي صُلحٍ وَلا هُدَنِ
أَرْضَعتِهم لبَنَ الإخلاصِ فانغرَسَتْ
أنيَابُ عِزَّتِهِمْ فِي أضْلعِ المِحَنِ
وَاليَوْمَ ثوْرَةُ تَشْييدٍ وَمُنطَلَقٍ
نَحْوَ اشْتِرَاكِيَّةٍ تبْقى عَلى الزَّمَنِ
تُثيرُ مِرْجَلَ أحْقادِ الشُّعوبِ عَلى
سَادَاتِهَا وَتبيحُ النّورَ فِي العَلنِ
أرْضَ البُطولاتِ مِنْ فيْحَائِنا حَمَلتْ
إليكِ روحِي حَنيناً رَاحَ يَدْفعُنِي
أنا رَسُولُ الهَوَى والحُبِّ بَينَكُمَا
رَسَائِلُ الشَّوْقِ فِي صَدْري تحَرِّقنِي
ودَّعْتُ بالأمْسِ أهلِي فالتقيتُهُمُ
عَلى ثرَاكِ فلا بَيْنٌ يُؤَرِّقنِي
قسَمْتُ رُوحَ الهَوَى نِصْفيْن بَيْنكمَا
وَجئتُ مِنْ وَطنٍ غالٍ إلى وَطَنِ