شَرِقت عيونٌ والظعونُ رواحلُ
وعُدِمنَ ناسًا والطلولُ أواهلُ
من كلِّ دارٍ في قُراها وأدَّةٌ
للذكرياتِ، وكلُّ ضِغنٍ هائلُ
فيها السماءُ تموتُ حزنًا شمسُها
إذ ليس فيها بعدهنَّ بدائلُ
والأرضُ تفجرُ من دموعِ أنينِها
فيقولُ ساقي القومِ: تلك نواهلُ
خذني لربعٍ والربيعُ فصولُه
فيه العداوةُ بالودادِ تقابلُ
لأيٍّ أحاولُ في تذكّرِ بلدةٍ
إن الترحّلَ للتذكّرِ حائلُ
فلئن رجعتُ وعهدُكم بأواخرٍ
أنّى بأوبٍ تُستعادُ أوائلُ
أسفي على ربطِ الرحالِ، فما أرى
إلّا قلوبًا حولهنَّ حبائلُ
يومَ المطارِ وما ترقرق مدمعي
فاليومَ أدمى مقلتيَّ الهاملُ
لمّا رأيتُ مطيّنا قد أزمعت
نحو الرحيلِ، فهل فؤادي راحلُ؟
وأصيحبي قال: الحجازُ مرادُنا
ومرادُ قلبٍ عن مرادٍ شاغلُ
للهِ قلبُ المنطوينَ على جوىً
منه الصدورُ صواعدٌ ونوازلُ
والقلبُ أُحبِل بالهمومِ، وعلمُنا
ثِقلُ الهمومِ شُقَّت بهنَّ قوابلُ
قالوا: تناسَ للديارِ بغيرِها
ومن التناسي في الفؤادِ عواذلُ
والنازلون بها الرصيفَ تمهّلوا
وخذوا غريبًا عن سواها ذاهلُ
طوبى لكم من حرِّها وهجيرِها
فالظاعنون على الهجيرِ تقاتلوا
وعجبتُ من مقتِ الخليلِ لخِلِّه
بعد الوصالِ، وقد يُمَلُّ الواصلُ
يا أهلَ وُدّي في الرمادي، فِدتكمُ
كلُّ الورى عزّابُها والعائلُ
لو كنتُ أفدي بالرجالِ وصالَكم
أضحينَ ثكلى مثلَهنَّ أراملُ
أمسي لديكم والمفاوزُ بيننا
وخُطى القلوبِ يتيهُ فيها العاقلُ
لمّا تلوتُ على الفؤادِ حديثَكم
حميتْ لديهِ من الحنينِ مراجلُ
وذكرتُ وصلًا في فراقٍ ذقتُه
فلِمَ—لعمري—كلُّ ذلكَ زائلُ؟
عُدْ للتريعةِ حيثُ كانت أُنسُنا
ومثيلُها في البادياتِ قلائلُ
واعرُجْ وعرّج نحو نيلٍ نَسْمُه
يروي ظماءً ما لديهم ناهلُ
سَعْدابُ تلك، ومهبطُ الحبِّ الذي
أمتارُهُ منه إذا الحنينُ يزاولُ
أنعِمْ بدارٍ لا شقاءَ لناسِها
فيها الزيادةُ إذ يجيءُ القابلُ
بوركتِ أهلًا، يا ديارُ، بمثلِهم
والأهلُ منهم للديارِ فضائلُ
والوردُ يزهرُ، والحقولُ ضواحكٌ
والنيلُ يرقدُ، والغصونُ خمائلُ
عجبًا لدارٍ ضيقُها ملأ المدى
والعجبُ ريمٌ يتّقيهِ الباسلُ
فمَنِ استراحَ لظعنِها من حِلِّها
شدّتْ عليه من الحنينِ سلاسلُ
ومن اتّقى سُبُلَ الصبابةِ ذاقَها
والسهمُ أوّلُ من يصيبُ القافلُ
ومن استعاضَ بلومِنا عن عتبِنا
فاللومُ طُرًّا للمحبّةِ قاتلُ
ومن اشتهى موتًا عظيمًا لم ينلْ
إنّ المنيّةَ للعِظامِ تغازلُ