قف أيا شوقي وكوِّ الأضلعا
قف بنا كي نُنشد الشعر معا
ونلفَّ الحبَّ في أكبادنا
قطعًا حرقى ترشُّ القطعا
فخيالٌ في الهوى ما دغدغت
جانحيه الريحُ إلا أبدَعا
ونبوغُ الحبِّ أوتارٌ إذا
حرَّكتْ قلبًارقيقًا رُوِّعا
وإذا الأفراخ في أوكارها
غلغلت تشكو فؤادًا مُوجَعا
تنقر الحبّاتِ في أقفاصها
تغرس الأعشاب فيها مضجعا
فخيوط الحب في ليلاتها
علّمتها أن تُنير المطلعا
نحن أطيارٌ بروض الكون في
زقزقاتٍ نستفيض المدمعا
إنْ على الأغصان قمنا نشتكي
ضجَّتِ الدنيا تُعير المسمعا
وإذا ما لُفِظتْ أرواحنا
وسراجُ الموت ألقى بُرقعا
ننسج الإلهامَ من آلامنا
ونغنّي الدهرَ شعرًا مبدعا!
نحن في شرع الهوى قلبّ وفي
مرتع الأحلام نبني مرتعا
شعراءٌ قلبنا في شعرنا
يملأ الدنيا شعورًا أرفعا
وشبابٌ يَحبِك الآمال في
ليلة النجوى خيالاً أوسعا
وإذا ما قِيسَ مجنونُ الهوى
ضلَّ في الدنيا، وضلَّ المرجعا
وإذا ليلى تلاشى عقلها
وجنونُ الحبِّ شفَّ المدمعا
فلأن الله في صدريهما
حَبَك الإلهام سحرًا مُرضعا!
قل أيا شوقي أما من خمرةٍ
تُسكر الأرواح حتى نجرعا
فتطوف الروح في أجوائها
ويجنّ القلب حتى يصلعا
إن حب النفس إلهامٌ، ومن
علَّمَ النفسَ الهوى ما ضيّعا
لم يكن قيسُ سوى حبٍّ إذا
جُنَّ من حبٍّ يُذيب الأضلعا
شاعرٌ في قلبه، في روحهِ
شاعرٌ أحلامه أن يلمعا
عبقريُّ الحبِّ مكلومٌ هوى
يحمل الصحراء جمرًا مولعا
في خيام الوجد يبني مجدهُ
في ربوع البدو يبني مَربعا
بدويُّ يُغرق الحبَّ دمًا
من فؤادٍ كان قِدمًا مُمتعا
ليس في الحب جنونٌ، إنما
شعلات الحب تلقى برقعا
فتثور النار في بركانها
وتكوّي العقل حتى يسطعا
فيقول الناس هذا عاشقٌ
ضيَّعَ العقل، فعاف المجمعا
غيرَ أن الناس لا يدرون كم
وضع «المجنون» سحرًا مبدعا
والتوى بين الورى ينشره
فكأن «القيس» كان المرضعا!
هذه ليلى تناغي حبَّها
تَحبِك النجوى وتقضي مطمعا
ينخر العظمَ هيامٌ قاتلٌ
يجلب الموت إذا الناس وعى
وإذا ما عرفوا في حبها
كُبِّلتْ أو مُنِّعتْ أن تطلعا
في نظامٍ صامتٍ مستوحشٍ
أرضُ نجدٍ طلبت أن يتبعا
كالنعاج البيض والشوكُ على
صوفها المدمى تروّي البلقعا!
وقلوبُ العشق هل تعرف من
حرمة القانون إلا إصبعا؟
تنبذ الشكوى على أقدامها
في عصور الظلم حتى تُبدعا
وكذا ليلى فلم تعبأ لما
سنّه القانون ظلمًا مَصرعا
إنما مالت إلى أهوائها
لتعيرَ القلب سمعًا أطوعا
لتلاقي النور مسفوحًا على
وجنتيها في الهوى قد طُبعا
يتعرّى الفجر في برعمهِ
ويشفُّ البدر وجهًا شعشعا
لو درت أن الهوى في قلبها
ملهمٌ قامت تُفيض الأدمعا
لتبلَّ الكون من أجفانها
فيغذي الحب قلبًا مترعا
هكذا الشاعر في آلامه
يحرق الأنفاس حتى يُبدعا
كي يغذّي الليل من أنواره
ويُحيل القفر روضًا مُمرعا
يسلب الأنوار من قلب الدجى
ويحيل الكون شعرًا طيِّعا
والورى يسخر من آلامه
والورى عنه يسدّ المسمعا
إنما الدنيا خلودٌ بعدما
تسكت الأقدار قلبًا ضعضعا
وفؤادُ الشعر خفّاقٌ على
بسمة الفجر يطوف الأربُعا!