تخطَّ إلى المحتوى

هل نعيتم للبحتري بيانه

الخفيف

٩٤ بيت

الرثاء

هَلْ نَعَيْتُم لِلْبُحْتُرِيِّ بَيَانَهْ

أوْ بَكَيْتُم لِمَعْبَدٍ أَلْحَانَهْ

أوْ رَأَيتُم رَوْضَ الْقَريضِ هَشِيماً

بعْدَ مَا قَصَّف الرَّدَى ريحانَه

فُزِّعَتْ طَيْرُه فَحَوَّمْنَ يَبكِينَ

ذُبُولَ الْخَمِيلَةِ الْفيْنَانَهَ

كُنَّ في ظِلِّهَا يُغَنِّينَ لِلشَّرْ

قِ وَيُنْهِضْنَ لِلْعُلاَ شُبَّانَه

كُنَّ في ظلِّها يُحَيِّينَ مَجْداً

صَاعِداً ضَلَّتِ النُّجُومُ مَكَانَه

كُنَّ في ظِلِّها يُنَاغِينَ آما

لاً ويَبْعَثْنَ هِمَّةً وَهْنَانَهْ

أَيُّهَا الطَّيْرُ ضَنَّ مَاءُ الْقَوافِي

فَبذَلْنَا دُمُوعَنَا الهَتَّانَهْ

مَاتَ يَا طَيْرُ صَادحٌ تَسْجُدُ الطَّيْرُ

إِذَا رَجَّعَ الصَّدَى تَحْنَانَهْ

نَبَرَاتٌ تَخَالُهَا صَوْتَ دَاوُ

دَ بِلَفْظٍ تَخَالُهُ تِبْيَانَهْ

عَلَّمَتْ الابْتِسَامَ زنْبَقَةَ الْوَا

دِي وَأوْحَتْ لِغُصْنِهِ مَيَلانَهْ

مَاتَ شَوْقي وَكانَ أنفَذَ سَهْمٍ

صَائِبِ الرَّمْيِ مِنْ سِهَامِ الكِنَانَهْ

اِبْكِ لِلشَّمْسِ في السَّماءِ أَخَاهَا

وَابْكِ لِلدَّهْرِ قَلْبَهُ وَلِسَانَهْ

وَابْكِهِ لِلنُّجُوم كَم سَامَرتْهُ

مَالِئاتٍ بِوَحْيها آذَانَهْ

وَابْكِ لِلرَّوْضِ وَاصِفاً يَخْجَلُ الرَّوْ

ضُ إذَا هَزَّ بِالْيَرَاعِ بَنَانَهْ

وَابْكِهِ لِلْخَيالِ صَفْواً نَقِيّاً

إنَّهُ كانَ في الْوَرَى تَرْجُمَانَه

مَلأَ الشَّرْقَ مَوْتُ مَنْ مَلأَ الشَّرْ

قَ حَيَاةً وَقُوَّةً وَزَكانَهْ

كَمْ يَتِيمٍِ مِنَ الْمعَانِي غَرِيبٍ

مَسَحَتْ كَفُّهُ عَلَيْهِ فَصَانَه

وَشَمُوسٍ رَنَا إلَيْهِ فَأَلْقَى

رَأْسَهُ خَاضِعاً وَأعْطَى عنَانَهْ

ونَفُورٍ أزْرَى بصَيَّادِهِ الطبِ

وأَعْيَا قِسِيَّهُ وَسِنَانَهْ

نَظْرَةٌ تَلْتَقي بِهِ يَنْهَبُ الْوَا

دِي وأُخْرَى تَراهُ يطْوِي رِعَانَهْ

تَسْبِقُ السَّهْمَ عينُهُ فَتَرَاهُ

يَتَلَوَّى تَلوِّيَ الخَيْزُرانَه

ثمَّ يَخْفَى فَلاَ تَرَاهُ عُيُونٌ

ثُمَّ يَبْدُو فَلاَ تَشُكَّ عِيَانَه

أَجْهَدَ الْفَارِسَ المُلِحَّ وَأفْنَى

نَبْلَهُ حَوْلَهُ وَأضْنَى حِصَانَه

وَهْوَ يَعْدُو لاَ الرَّأْسُ مَالَ مِنَ الأَيْنِ

وَلا قَلْبُهُ شَكَا خَفَقَانَهْ

مَدَّ شَوْقي إِلَيْهِ نَظْرَةَ سِحْرٍ

عَوَّقَتْ دُونَ شَوْطِهِ جَريَانَه

فَأَتَى مِشْيَةَ المُقَيَّدِ يَسْعَى

بَيْنَ هَوْلٍ وَذِلَّةٍ وَاسْتِكَانَه

غَزَلٌ كالشَّبَابِ ينْضَحُ آما

لاً ويهْتزُّ في حلىً فَتَّانَهْ

تَسْمعُ الْحُبَّ في نَواحِيهِ هَمْساً

يتَناجَى ويَشْتَكي أشْجَانَه

وتُحِسُّ الْهَوَى يرِفُّ حناناً

شَرَكُ الحُبِّ أنْ تُحِسَّ حَنَانَه

وإِذَا جَالَ وَاصِفاً رَاعَك الْحُسنُ

وَأكْبَرْتَ فنَّهُ وافْتِنَانَه

صُوَرٌ زَيْتُها بَيَانٌ سَرِيُّ

مَزَجَ اللّهُ وَحْدَهُ أَلْوَانَه

لَوْ رُفَائِيلُ راءها غَالَهُ الْبَهْرُ

وَأَلْقَى ألْوَاحَهُ وَدِهَانَه

عالِمٌ بِالنُّفُوسِ ما غَاصَ مِيلٌ

في خَفَايَا النُّفُوسِ حتَّى أبَانَه

أَوْدَعَ الدَّهْرُ مِسْمَعَيْهِ عَنِ الكَوْ

نِ حَدِيثاً فلَمْ يُطِقْ كِتْمَانَهْ

ذَأكَ سِرُّ الإِلَه يختَصُّ مَنْ شَا

ءَ بآثارِ فَضْلِهِ سُبْحَانَه

وَرِثَاءٌ لوْ كَان يَسْمَعُهُ المَيْتُ

لأَحْيَا بِسِحْرِهِ جُثْمَانَه

عَرَفَ المَوْتَ والْحَياةَ جَميعاً

ورَأى بَعْدَ حَيْرَةٍ بُرْهانَه

والرّوَايَاتُ أدْهَشَتْ كلَّ لُبٍ

ثُمَّ أَرْبَتْ فَأَدْهَشَتْ شَيْطَانَه

يُغْمِضُ الْعَيْنَ في اضْطِرَابٍ إذَأ حَسَّ

طُروقَ الإلْهَام أَوْ غِشْيَانَه

ثُمَّ يُمْلي كَأَنهُ مِنْ كِتابٍ

قَارِىءٌ في سُهولَةٍ ومَرَانَهْ

جَوْهَرِيٌّ وَدَّ الكَواعِبُ لَوْ يَشْرِينَ

يوماً بِحُسْنِهنَّ جُمَانَه

زَانَ مِصْراً بلؤلىءٍ يَبْهَرُ الْعَيْنَ

وَأوْلَى تَارِيخَهَا عِقْبَانَهْ

كَانَ صَبّاً بِمِصْرَ كَمْ هَامَ شَوْقاً

بِرُبَاهَا وَبَثَّهَا أَحْزانَهْ

دَفَنَ اللَّهْوَ وَالصِّبا في ثَرَاهَا

وَطَوَى مِنْ شَبابِه عُنْفُوَانَه

هِيَ بُسْتَانهُ فَغَرَّدَ فِيهِ

وحَبَا كُلَّ قَلْبِهِ بُسْتانَه

يحْرُسُ الْفَنَّ في ظِلالِ نَوَاحِيهِ

وَيَرْمِي عَنْ دَوْحِهِ غِرْبَانَه

يَعْشَقُ النِّيلَ والْخَمَائِلُ تَهْتَزُّ

بِشَطَّيْه خُضْرَةً وَلَدَانَهْ

يَعْشَقُ النِّيلَ وَالْجزِيرةُ تُغْرِيهِ

وَقَدْ لَفَّ حَوْلَهَا أرْدانَهْ

يَعْشَقُ الْجسْرَ والسَّفَائِنُ تَهْفُو

حَوْلَهُ كَالْحَمائِم الظَّمْآنهْ

وَيُحِبُّ السَّوَادَ مِنْ عَيْنِ شَمْسٍ

مَالِئاً مِنْ رُوَائِهِ أَجْفَانَه

كُلُّ شَيءٍ بِمِصْرَ يَبْهَرُ عَيْنَيْهِ

جَمَالاً ويَسْتَثِيرُ جَنَانَه

كُلَّمَا هَزَّهُ إِلَى الشِّعْرِ شَوْقٌ

جَذَبَ الْحُبُّ نَحْوَهَا وِجْدَانَه

فَشَدَا بِاسْمِهَا كَمَا تَصْدحُ الطَّيْرُ

وَقَدْ شمَّرَ الدُّجَى طَيْلَسَانَه

وَجَلا مَجْدَهَا الْقَدِيمَ جَدِيداً

بَعْدَ مَا هَدَّمَ الْبِلَى أَرْكَانَهْ

في خُشُوعٍ يُشِيدُ باسمْ فُؤَادٍ

مِثْلَمَا رَدَّدَ المُصَلِّي أَذَانَهْ

مَلِكٌ مَدَّ لِلْفُنُونِ يَمِيناً

عَلَّمَتْ كُلَّ مُحْسِنٍ إِحْسَانَهْ

نَظْرَةٌ مِنْهُ زَادَت الشِّعْرَ زَهْواً

وَأعَادَتْ لِعَهْدِهِ رَيْعَانَه

نَحْنُ في ظِلِّ تَاجِهِ في زَمَانٍ

وَدَّ هَارُونُ أَنْ يَكُونَ زَمَانَه

أَوَّلُ السَّابِقينَ شَوْقِي إذَا جَا

لَ ذَوُو السَّبْقِ يَبْتغونَ رِهَانَه

شِعْرهُ حِكْمَةٌ وَصِدْقُ خَيَالٍ

وَجَمَالٌ وَرَوْعَةٌ وَرَصَانَه

وَمَعَانٍ شَوْقِيَّةٌ في سِيَاقٍ

بُحْتُرِيٍ وَرِقَّةٌ في مَتَانَهْ

يَا مُجِيرَ الْفُصْحَى وَقَدْ عَقّهَا

الدَّهْرُ وأَغْرَى بِقَوْمِها حِدْثَانَه

نَزَلَتْ في ذَرَاكَ رَوْضاً مَرِيعاً

هَدَلَ النَّوْرُ والْجَنَى أَغْصَانَه

واستَعادَتْ حُسْن الشَّبَابِ وَكَانَتْ

رَمَقاً بَيْنَ كَبْرَةٍ وَزَمَانَهْ

وَحَمَتْهَا يَدَاكَ مِنْ شَرِّ باغٍ

في زَمَانٍ طَغَتْ عَلَيْهِ الرَّطَانَه

ذَكَّرَتْهَا رَنَّاتُ صَوْتِكَ قَوْماً

سَلَفُوا مِنْ هَوَازِنٍ وَكِنَانَهْ

رَفَعَتْ مِصْرُ رَايَةَ الشِّعْرِ في الشَّرْ

قِ وَأوْلَتْ أَمِيرَهُ صَوْلَجَانَهْ

وَمَشَى الدَّهْرُ في الْوُفُودِ إِلَى

الْبَيْعَةِ يَحْتَثُّ نَحْوَهُ رُكْبَانَه

وَرَأَيْنَا بِكُلِّ أُفْقٍ رَنِيناً

رَدَّدَتْه الْقَصَائِدُ الرَّنَّانَه

هَكَذَا كُلُّ مَنْ يُرِيدُ خُلُوداً

يَجْعَلُ الْكَوْنَ كلَّهُ مَيْدَانَهْ

هَكَذَا فَلْيَسِرْ إِلَى الْمَجْدِ مَنْ شَا

ءَ وَيَرْفَعْ بِذِكْرِهِ أَوْطَانَه

خُلُقٌ كَالنَّدَى وَقَدْ نَقَّطَ الزَّهْرَ

فحَلَّى وَشْيَ الرِّياضِ وَزَانَه

وَصِباً يَمْلأُ الزَّمَانَ ابْتِسَاماً

وَحِجاً يَمْلأُ الزَّمَانَ رَزَانَه

وَسَمَاحٌ يَلْقَى الصَّرِيخَ بِوَجْهٍ

تَحْسُدُ الشَّمْسُ في الضُّحَا لَمَعَانَه

شَمَمٌ في تَوَاضُعٍ وَحَياءٌ

في وَقَار وفِطْنَةٌ في لَقَانَه

وَحَدِيثٌ حُلْوٌ لَهُ رَوْعَةُ الشِّعْرِ

فَلَوْ كَانَ ذَا قَوَافٍ لَكَانَهْ

وَيَقِينٌ باللّه ما مَسَّهُ الضَّعْفُ

وَلاَ طَائِفٌ مِنَ الشَّكِّ شَانَه

هُوَ في الشَّمْسِ والْكَوَاكِب نُورٌ

وَهْوَ في الأَرْض وَالْجِبَالِ رَكَانَه

مَلَكَ الدِّينُ قَلْبَهُ وَهَوَاهُ

وَجَلاَ الشِّعْرُ سَاطِعاً إِيمَانَه

يَمْدَحُ الْمُصْطَفَى فَتَلْمَحُ حُبّاً

عَاصِفاً آخِذاً عَلَيْهِ كِيَانَه

وَتَرَاهُ يَذُودُ عَنْ آلِهِ الْغُرِّ

وَفَاءً لِحُبِّهِمْ وَصِيانَهْ

حَسْبُهُ أَنْ يَجِيءَ في مَوْقِفِ الْحَشْرِ

فَيَلْقَاهُ مَالِئاً مِيزَانَه

طَوَّفَتْ حَوْلَهُ الْمَلاَئِكةُ الطُّهْرُ

وَمَسَّتْ بِطِيبِها أَكْفَانَهْ

إنَّ مَعْنَى الْحَيَاةِ فِيهِ مِنَ الْمَوْ

تِ مَعَأنٍ لَوْ يَفْهَمُ الْمَرءُ شانهْ

يُهْدَمُ الْمَرْءُ كُلَّ يومٍ وَيُبْنَى

ثم يَهْوِي فَلاَ تَرَى بُنْيَانَه

نَحْنُ حَبٌّ في قَبْضَةِ الدَّهْرِ يُلقيهِ

وَيَجْنِيه مُدْرِكاً إِبَّانَه

نَحْنُ في دَوْحَةِ الأَمَاني زَهْرٌ

يَهْصِرُ الْمَوتُ لِلْبِلَى أَفْنَانَه

إِن هَذِي الْحَيَاةَ بَحْرٌ وَكُلٌّ

بالِغٌ بَعْدَ سَبْحِهِ شُطْآنه

قَدْ قَضَى اللّهُ أَنْ نَكُونَ فَكُنَّا

وَقَضَينَا وَمَا قَضَيْنَا لُبَانَه

أَيُّهَا الرَّاحِلُ الْكَرِيمُ لَقَدْ كُنْتَ

سَوَادَ الْعُيُونِ أَوْ إِنْسَانَه

نَمْ قَرِيراً في جَنَّةِ الْخُلْدِ وَانْعَمْ

بِرِضَا اللّه وَاغْتَنِمْ غُفْرَانَهْ

وَالْتَمِسْ نَفْحَةَ الرَّسُولِ وَطَارِحْ

في أَفَانِينِ مَدْحِهِ حَسَّانَه

كَيْفَ يُوفي الشِّعْرُ الَّذِي مَلَك

الشِّعْرَ وألْقَى لِغَيْرِهِ أَوْزَانَه

وَرِثَاءُ الْبَيَانِ جُهْدُ مُقِلٍ

لِلَّذِي خَلَّدَ الزَّمَانُ بَيَانَه