تَجَلّى الفَجْرُ مِنْ بَيْنِ الظَّلامِ
بطَيْفِ حَبيبَةٍ وافَى مَناميْ
وَقَبَّلَ عَينِيَ اليُمنَى بِوُدٍّ
وذاقَ بِقُبْلَةِ اليُسرى سَلاميْ
وَقَالَ: عَلِمْتُ مَكَّةَ فِي انتِظَارٍ
وَأَنتَ لَهَا تُسَارِعُ فِي الزِّحَامِ
وَأَيْقَنتُ ارْتِحَالَكَ دُونَ شَكٍّ
وَأَنَّكَ أَوَّلُ الرَّكبِ الْكِرَامِ
فَلَمَّا انْفَضَّ مَجْلِسُنَا وسِرْنا
سألتُ الصَّحْبَ حينَ بَدَوْا أماميْ
لِمَاذَا قَبَّلَتْ عَينِيْ؟! أَجِيبُوا!
أَتَلثِمُنِي وَقَد قَطَعَتْ ذِمَامِي؟
وَهَل مَن يَكرَهُ الدُنيا سيُهدِي
لنا القُبُلاتِ مِنْ بعدِ الخِصامِ؟
فَقَالُوا: لا نرى في ذاك كُرْهًا
وَلَكِنْ خَوفَ رَفضٍ وانْهِدامِ
فَقُلتُ: وَخَالِقِي، لَو وَافَقَتْنِي
لَهانَ الْكَونُ مِن أَجلِ المَرامِ
وَخُضتُ الصَّعبَ لَو شَاءَتْ فِدَاءً
وَجِئْتُ بِهَا مُعَزَّزَةَ الْمَقَامِ
وَفَزَّ الْقَلبُ مِنْ حُلمٍ عَجِيبٍ
وَحِيرَةُ مُهجَتِي فَوقَ الْكَلَامِ
أُرَدِّدُ فِي ذُهُولٍ كَالمُعَنَّى:
لِمَاذَا؟ يَا سَرَابًا فِي الغَمَامِ
لِمَاذَا؟! ثُمَّ أُتبِعُهَا: لِمَاذَا؟!
وَتَختَنِقُ الحُرُوفُ مَعَ احْتِدامِ
لِمَاذَا؟! وَالْفُؤَادُ يَذُوبُ قَهْرًا
لِمَاذَا؟! كَيْفَ نُقتَلُ فِي الغَرَامِ؟
لِمَاذَا؟! هَل هَوَانَا كَانَ ذَنْبًا؟
لماذا؟ هل أُساقُ إلى الحِمامِ؟
لِمَاذَا؟! كُلَّمَا رَدَّدتُ حَرفًا
تَزِيدُ حَرَارَتِي فوقَ السِّقامِ
مشيتُ إلى اغتساليْ عَلَّ ماءً
يُهَدِّئُ ما توقَّدَ من هُياميْ
وَظَنّيْ أنَّ بَرْدَ الماءِ يُجْديْ
فيَبْرُدُ مَا تَوَهَّجَ مِن عِظَامِي
فَجِسمِي مِثلُ تَنُّورٍ تَلَظّى
وَرَأْسِي حامِلٌ حَطَبَ اضْطِراميْ
وَقَفتُ وَقَلْبيَ المَخْذولُ يَدْعُو:
أَيَا مَاءُ! التِهابيْ فيْ تَنامِ
خُذِ الذِّكرَى لَهَا مِنْ حَرِّ رَأْسِي
وَجِسْمِي الْمُكْتَوِي، وَاجْبُرْ حُطَامِي
وَقَفْتُ ووابِلٌ كالثَّلْجِ يَهْميْ
عَلَى جَمْرٍ شَديدِ الوَهْجِ دامِ
وَلَكِنْ كُلَّمَا هَدَأَتْ عُرُوقِي
يَعُودُ الْقَلْبُ يَهْتِفُ فِي احْتِدامِ:
لِمَاذَا؟! لَا المِيَاهُ تُزِيلُ حَرِّي
وَلَا الأَشْوَاقُ تَهْدَأُ فِي مَنَامِي!