نفديكَ بالمالِ والأرواحِ يا قمرٌ
ظلامُ ليلِ الهوَى مِن نورِه ذَهبا
قد جئتَ للكونِ نوراً يُسْتضاءُ بهِ
قد أَخجلَ الشمسَ والأقمارَ والشُّهُبا
لو لاك لم يبقَ للدينِ الحنيفِ سِوَى
اسمٌ علَى هامشِ الأوراقِ قد كُتِبا
لو لاك يا بْنَ الذي صان الهُدَى زمناً
صَرْحُ الهُدَى في الورَى ما ظلَّ مُنتصبا
نفديك مِن ثائرٍ في وجهِ طاغيةٍ
لم يحفظِ الدينَ بل بالدينِ قد لعِبا
قد عاش مِن مالِ خلقِ اللهِ في سَعَةٍ
و حوله الناسُ مِن تَقتِيرهِ سُغَبا
كم مِن دمٍ دونَ ذنبٍ صار يسفِكُهُ
و يدَّعي قُربَهُ مِن جدِّكُم نَسَبا
فَمَرْجُ عذراءِ فيها لِلتُّقَاة دمٌ
لِسَفْكِهِ ما رأتْ ذنباً ولا سَبَبا
حِجْرٌ وأصحابُه أمسَوا بِها جُثَثاً
فما الذي قد أتى حِجْرٌ أوِ ارْتَكبا
يا كاتبَ الوحيِ هل في الوحيِ سفكُ دمٍ
بغيرِ ذنبٍ أَمَنَّ الوحيَ قد ذَهَبا
بَعثتَ بِسراً لأرضٍ لِلهُدَى احْتَضَنتْ
فجَدَّ في كُلَّ عبدٍ صالحٍ طَلبا
وصار يجْتثُّ منها كلَّ ذِي شرفٍ
وكلُّ طُهرٍ بها قد صار مُغْتَصَبا
يا كاتبَ الوحيِ أين الوحْيُ في رَجلٍ
عن الهدَى يومَ حَملِ السيفِ ما هَرَبَا
نازعْتَهُ أمرَهُ في كلِّ ناحيةٍ
و بِتَّ تَقْسُو عَلى الإسلامِ فاضطرَبا
زَرعْتَ للفِسقِ أعواداً وكُنتَ لها
ماءً سقاها إلى أن أثْمَرتْ كذِبا
يَخالُها المَرْءُ حقاً حين يُبْصِرُها
و تُفْصِحُ الأمرَ عنها كُلَّما اقْتَربا
تَمتدُّ أغصانُها لِلشَّوكِ حامِلةً
و تملأُ الكونَ من آثارِها لهَبا
أوراقُها السُّودُ مِن أغصانِها انْتَشرَتْ
لِتملأَ الكونَ مِن أحقادِها كُتُبَا
قد خَطَّها كلُّ مَنْ زلَّتْ له قَدَمٌ
و عن صراطِ الهُدَى والدينِ قد نَكِبا
لَبِئسَ ما دوَّنَتْ كَفَّاهُ مِن كُتُبٍ
و بئسَ ما نالَهُ مِنها أوِ اكْتَسَبا
فلَيس فيها سِوَى ظلمٌ لِذِي حَسَبٍ
مِن سادةِ الخلْقِ والأمجادِ والنُّجَبا
يا ابنَ الهدَى يا ابنَ خيرِ الناسِ كلِّهِمُ
سيفُ الهُدَى في أَكُفِّ الخانِعِين نَبَا
ورَكْبُ مَن في طريقِ الحق مَبدَئُهُم
تَعَثَّرَ اليومَ في أغلالِهِ وَكَبا
لأَن مَن يَجْهلِ الإيمانَ حاربَهُ
و في طريقِ الهُدَى أفْخاخَه نَصَبا
وإنْ خَبَتْ فِتنَةٌ في الكونِ أجَّجَها
يُضيفُ زيتاً لَها إنْ قَلَّ أوحَطَبا
لله صبرُكَ كم حُمِّلْتَ مِن ألَمٍ
ما زال في الصدرِ مثل السهمِ قد نَشِبَا
رماهُ مَن يدَّعِي حباً لِجدِّكُمُ
نحوَ الذي في سَفينِ الآلِ قد ركِبَا
يا سيِّدِي المؤمنون اليومَ في ضَنَكٍ
مِن عَيشِهِم فالمَعِينُ العَذبُ قد نَضَبا
تَغلْغَلَ الذلُّ فيهم باسِطاً يدَهُ
و جُلُّ ما يملكون اليومَ قد نُهِبا
وقدَّمُوا ما بَقِي مِن حقِّهم جزعاً
و كُلَّ مَن قد نَوَى سوءً بِهِم وثَبا
يَغِيرُ في أيِّ وقتٍ شاءَ مُنتَهِكاً
حُقوقَهم فالأمانُ اليومَ قد سُلِبَا
ويَدفعُ الناسَ عن وِرْدٍ على ظَمإٍ
و يمنعُ الناسَ ما الرحمانُ قد وَهَبا
لم يبقَ إلا الطَّوَى زاداً لِجائِعِهِم
و السوطَ إنْ أنَّ مظلومٌ أوِ انْتَحَبا
والدمعَ ماءً لِمَنْ أحشاؤُهُ استَعَرتْ
فالدمعُ أمسَى على الوجناتِ مُنْسَكِبا
يا سيِّدِي ضاعَ حقٌّ وانْطَوتْ قِيَمٌ
متى سيأتي الذي يسعَى لها طَلَبا
أليسَ يكفِي ظلامٌ جاثِمٌ عَبَثَتْ
مِنْ خَلفهِ عُصْبَةٌ قد ساءتِ الأدَبا
أليسَ تكفِي العلاماتُ التي حَدَثَتْ
إنَّا نرَى يومَهُ الموعودَ قد قَرُبَا