لا تنتهي ذرّاتُ هذي الأرضِ
وليس يمكنُ انْفكاكُ البعضِ
و جَوْفُها مشتعلٌ بالنارِ
وقِشْرُها قد شُقَّ بالبحار
و حَجمُها مَعْ قشرِها المشقَّقِ
كقبّةٍ قد فُرشتْ بالوَرَقِ
وذلك القشرُ بكلِّ آنِ
يسعى ليعطي الرزقَ للحَيْوانِ
وربّما تنفثُ كالثعبانِ
فزُلزلتْ مَعْ ثورة النيرانِ
و هْي كمصباحٍ بشمعٍ وُقدا
وفي نواحيها النسيمُ انْعَقدا
مائدةٌ لسائر العوالمِ
ليُرزقوا منها بوجهٍ دائم
و نقطةٌ منها الجهاتُ تُدركُ
والعقلُ منها لسواها يَسْلُكُ
فيها لكلّ كائنٍ حياةُ
وكلُّهم لهم بها وفاةُ
قد نامتِ النفوسُ باطمئنانِ
عن نارها في فُرُشِ الأمانِ
سبحان من قد حيَّر العقولا
بصنعه وأعجزَ الفحولا
يا ربِّ ما بالُ اللَّبيبِ في الزمنْ
معذَّبٌ بعقله ومُمْتحنْ
يا ربِّ إنكَ ابْتليتَ العارفا
بِقدْرِ ما أوليتَه مَعارفا
من كل وجهٍ مُبْصِرٌ عناءَ
و فوقَ عقلِه يرى الأشياءَ
هل يمكنُ التحقيقُ والإِيقانُ
والعقلُ بالظنِّ لهُ اتّزانُ
وكيف بالعلمِ والاسْتيعابِ
لعاجزٍ ناءٍ عن الصوابِ
كأنّه لم تكفِنا الأهوالُ
حتى تولّى حكمَنا الجهّالُ
ولست أدري هل نِظامُ العالَمِ
يقضي لذي جهلٍ بعزٍّ دائمِ
ولم يزلْ من سالفِ الأزمانِ
يَستعبدُ الأحمقُ ذا العِرْفانِ
وفي يَفاعِ العِزِّ يرقَى الجاهلُ
وفي حضيض الذلِّ يُلْقَى الفاضلُ
بالحظِّ قد صار الجَهولُ نائلا
آمالَهُ والشَّهْمُ أضحى سائلا
سبحان من قد حيَّر العقولا
بصنعه وأعجزَ الفحولا
أُهْبطَ آدمٌ من العيش الرَّغَدْ
وابتُلِيَ الخليلُ في ذبْحِ الولدْ
بكَى لفرقةِ ابنه يعقوبُ
ويوسفٌ في جُبِّهِ مَكْروبُ
وأَنَّ أيوبٌ وذاقَ الضَّررا
وزكريّا رأسُه قد نُشِرا
كذاك يحيَى رأسُه قد قُطعا
وكم بمحنةٍ يسوعُ وَقَعا
و خُضِبَتْ بالدمِ نعلُ أحمدِ
وَسِنُّهُ انقضَّت بيومِ أُحُدِ
وَ شدَّ بطنَه الكريمَ بالحجرْ
من سَغَبٍ وَ لذَّةَ الدنيا هَجَرْ
والصاحبُ الصِدّيق بالسمّ ارتحلْ
واستُشهد الفاروقُ ذو القدْر الجَلَلْ
وجامعُ القرآنِ بالذَّبْحِ امتُحنْ
والمرتضى حيدرُ بالسيف طُعنْ
ومات بالزّعاف ظلماً الحسنْ
وقُتل الحسينُ وهو المؤتمنْ
وهكذا بقَدَرِ القُرب إلى
حضرة ذي العرش يُشدَّدُ البَلا
سبحان من قد حيَّر العقولا
بصنعه وأعجزَ الفحولا
قد هجر الراحةَ قومٌ للعلا
والبعضُ بالإدبارِ أضحى مُبتلَى
وبعضُهم قد ذَلَّ معْ كلِّ الغِنى
والبعضُ من أجل الغِنى ذاق العَنا
وبعضُهم لوارثيه يجمعُ
و عُمْرُ بعضٍ في القُنَى مُضَيَّعُ
بعضٌ يحاولُ الفِلِزَّ الأنْفَسا
و بعضُهم بالكيمياءِ أفلَسا
و بعضُهم قاتَلَ من أجل السُّمَعْ
و بذلَ النفوسَ قومٌ للطمَعْ
والبعضُ منقادٌ لِعَيْنِ من عَشِقْ
وآخرٌ غُلَّ بشَعرِ من عَلِقْ
و بعضُ قومٍ هائمٌ بالرَّنْدِ
وبعضُهم مُولَّعٌ بالوردِ
و بالرقيِّ بعضُهم قدِ ارتقَى
وبعضُ قومٍ للتمائمِ انتَقَى
و البعضُ بالرَّاح خليعٌ سادرُ
وبعضُهم بمالِه يُقامرُ
فكلُّ حُرٍّ صارَ عبداً للأملْ
و كلُّهم بباطلٍ قدِ اشتَغلْ
سبحان من قد حيَّرَ العقولا
بصنعه وأعجزَ الفحولا
يا عجباً لظالمٍ ختَّالِ
لا يخطرُ الإثم لهُ بِبالِ
وسارقٍ يأنفُ إن قيلَ سرقْ
وقاتلٍ لا يَخْشَيَنَّ من خَلقْ
وكلُّ من تسألُه عن حالهِ
يريك وجهَ الحق في أفعالِهِ
يُصْلبُ قاطعُ الطريق في بلدْ
و سيّداً في بلْدَةٍ أخرى يُعَدْ
تَبرُّجُ النساءِ عيبٌ ظاهرُ
وفيهِ عند معشرٍ تَفاخُرُ
بعضٌ يرى الحُرْمَةَ وهْو يشربُ
والبعضُ يستحلُّ ما يَنتهِبُ
إن شئتَ عاشرْ كاملاً مهذَّبا
معلومةً أطوارُهُ مجرَّبا
تُبصرُ بعد البحثِ عن شُؤونهِ
دلائلاً تُنْبيكَ عن جُنونهِ
فِكْرُ الفتى يظهر في الأفعالِ
وليس يرضَى نسبةَ الضلالِ
ما لِبَيانِ الحقِّ والبُطلانِ
والعقلِ والجنونِ من ميزانِ
سبحان من قد حيّر العقولا
بصنعه وأعجز الفحولا