هو الموت مأوًى للحياة وموردُ
فلا حيَّ إلا وهْو للموت يولدُ
فلم يبقَ مولودٌ ولم يبق والدٌ
ولم يبق محمودٌ ولم يبق أحمد
فكم هتكتْ من حرمةٍ سَكَراتُهُ
وكم أدركت من زائغٍ يتعنَّد
وكم صنعت من سنّةٍ يُقتدَى بها
وكم هيَّجت من بِدعةٍ لا تُقلَّد
وللموت في الأحياء مرصاد طعنةٍ
فكيف نجاة الحيِّ والموتُ يرصد
فلم ينجُ منه ذو حياةٍ، وإن حوى
من العمر والآجالُ تدنو وتبعد
ولم ينج منه مالكٌ باجتهاده
ولا الحنفيْ والحنبليْ والمجدِّد
ولم ينج منه الأشعريُّ اعتقاده
ولا الجيليْ آدابٌ له والتَّجرُّد
ولم يحمِ جالينوسَ حكمةُ طبِّه
ولا منع النَّمرودَ ذاك التمرد
ولم يبقَ في الأحياء بلقيسُ مُلْكها
ولاعرشُها كلاَّ وصرحٌ ممرَّد
سواءٌ على الموت المجاهد نفسَه
بصدقٍ ومَن في لهوه يتردَّد
وإن مات معروفٌ عن الحق والهوى
فعن باطلٍ مات الغريضُ ومَعْبَد
وقد مات شمَّاخٌ، ومات مزوِّدٌ
وأيُّ كريمٍ - لا أبالك - يخْلُد
فلو كان حيٌّ يُرتجَى بنباهةٍ
خلوداً لما نام النبيُّ محمد
ولا هلَكَ الصِّديق وهْو مصدِّقٌ
ولاعمرُ الفاروق وهو المسوَّد
وأمسَى عليٌّ بالعلوم مخلَّداً
وعثمانُ ذو النُّورين أيضاً يُخلَّد
ولكنَّ وِرْدَ الموت حتمٌ وروده
وقد كان مُرّاً طعمُه حين يُزرَد
فالاحياء كُلاّ واردوه فقادمٌ
إليه بلا زادٍ ومن يتزوَّد
وللمرء في الأحياء نفسٌ معارةٌ
ولا بدَّ من ردِّ المُعارة فاهتدوا
فإن قدَّمتْ خيراً تجدْهُ وإن تكن
بعكسٍ تجدْ شرّاً كما هي تقصد