شربتُ سُلاف العشق في صبوتي صِرفا
ولست أرى في العشق عن سكرتي صَرْفا
أدمت بها سُكري أواصل رشفها
فما زال منها الرِّشف يستعقب الرَّشْفا
وملت بها سكرًا على الوجد والجوى
وفعلُ سلاف العشق في الصبّ لا يخفى
وجُبت الفلا فيها تزيد صبابتي
وأصبو بها وَجْدًا وأنسى بها الإلفا
أهيم بلا قلبٍ عن الحسٍّ غائبًا
فكالظبية الثكلى إذا فقدت خِشْفا
وأشجو بلا عقلٍ أسير مع الهوى
فلا نكرَ أدريه ولا أعرف العُرْفا
فمن جبلٍ أعلو لوادٍ نزلته
ولكن بطرح النفس أحذفها حذفا
تسيل دموع العين مني تَشوّقًا
فكم سال من وادٍ إذا وكفت وكفا
وتجري وقد ذابت جفوني من البكا
وقد كانتِ الأجفان تحبسها وقفا
وأسهر كلَّ الليل يكرهني الكرى
وأكرهه، طبعًا، فيجفو كما يُجْفى
تُساهرني عينُ النجوم سواهرًا
فإن عينُها أغفت فطَرْفيَ قد أغفى
أشاهدها من نحو شرقٍ لمغربٍ
تسير بحسن السير تُبدي لنا الظرفا
وينقط منها الحسن واللطف دافقًا؛
وأَبْهِجْ بها إذْ تنقط الحسن واللطفا
فمن راقصٍ بالنور أحسن رقصةٍ
بها يخطف الألباب من أهلها خطفا
ومن طالعٍ كالسهم من جوف شرقه
ومن غاربٍ في الغرب والغربُ قد أخفى
كُراتٌ من الدّرّ الثمين بمِحْجنٍ
لها الشوقُ ضرّابٌ فيقذفها قذفا
ويا حسنَها بالبدر يطلع بينها
يمدّ على الآفاق من ضوئه سِجْفا
مليكٌ عظيم الجند سار بجنده
من الشرق نحو الغرب قد زحفوا زحفا
يكرّ بسيف الضوء يضرب صائلاً
بزنج الدجى حتى يُذيقهمُ الحتفا
كأن الثريا بين أيديه إذ بدت
جواهرُ من درُّ لقد نُظِمت شِنْفا
وإلا كعنقودٍ من الدرّ حبُّه
لها الشجرُ الدرّيُّ يحملها قِطْفا
وإن هلال الأفق وهو ابن أربعٍ
ولا ضوءَ في نصفٍ ونصفٌ به يُلقى
كقرصٍ من البلّور قد جاء خاطفٌ
ليخطفَه، فزعان ، فاختطفَ النِّصْفا
إلى أن يسلّ المشرق الصبح صارمًا
يبين على الآفاق يكشفها كشفا
ويضرب في جيش الظلام بقوّةٍ
فكم قد رمى عُنْقًا وكم قد رمى كِتْفا
نهاري وليلي بالصبابة هائمٌ
وما قلت، حين الوجد آهِ ولا أُفّا
أحنّ إلى ربع الحبيب تشوُّقًا
وأذكر خصب العيش والمنهل الأصفى
وأذكر قرب الدار من دار فاتني
ووقتًا بذاك الربع أحييتُه قصفا