أيودُّ طرفُكَ أن يبيتَ قريرا
هيهات كلَّفْتَ الزمانَ عسيرا
يا خاطبَ الدنيا حذارِكَ إنها
تلد الخطوبَ عشيَّةً وبكورا
دارت على دارا وكم هي دمَّرتْ
لملوك تدمرَ أربُعًا وقصورا
وعَدَتْ إلى عادٍ سوابقُها التي
تركتْ سنابكُها الديارَ دثورا
كسرتْ لكسرى الصولجانَ وغلّلتْ
سيفَ بن ذي يزنٍ فعاد كسيرا
وتتبَّعتْ أثرَ التبابعة الذي
نَ تفيَّؤوا ظِلَّ الجلال دهورا
قَصُرتْ لها أيدي القياصرةِ الأُلى
كان الفخَارُ عليهمُ مقصورا
قد أنذرتْ بالمنذرين وحذَّرتْ
بابنَي ربيعةَ بعدهم تحذيرا
أمسى مهادهمُ الرغامَ وطالما
تَخِذوا السماكَ أريكةً وسريرا
ورضُوا المنامَ على الهوان وقَبْلَهُ
عافوا النمارقَ أن تكون حريرا
عرضَتْ لهم سِنَةٌ فلمَّا أن صحَوا
كان المماتُ لحُلْمهم تفسيرا
سلْ عنهمُ هذا الصعيدَ فإنه
يدري الجوابَ ويُحْسن التعبيرا
كم ساورتْني الحادثاتُ ونفَّرتْ
عن ناظري ذودَ الكرى تنفيرا
فوقفتُ وقفةَ أصمعيٍّ قلبُهُ
نَدْبًا على كيد الزمان صبورا
حتى نعى الناعي الإمامَ فلم يزل
نبأً بتصديع الكبود جديرا
يا يومَ قيل قضى وجاور رمسَه
لا زلتَ يومًا بالأسى مذكورا
كم عَبْرةٍ أجريتَها وحشاشةٍ
شذَّبْتَها أسفًا وهجْتَ زفيرا
ودَّتْ نفوسٌ أن تكونَ فداءه
مختارةً لو تملك التخييرا
أهوِنْ بكل مصيبةٍ من بعده
تَدَعُ الجليلَ من الخطوب حقيرا
يا جابرًا كَسَرَ العُفاةَ بسَيْبهِ
اليومَ أصبح جبْرُهم مكسورا
أمحمدٌ ما لي دعوتُ فلم يجب
حتى الكلامُ رأيتُه محظورا
ما عذرُ عيني في الجمود وقد عَرَتْ
نكباءُ تصْدع يَذْبلاً وثبيرا
أبكي عليكَ بكاءَ ثكلَى فُوجئتْ
بوحيدها وأراها فيك يسيرا
مَن لليتامى والأيامى، أصبحتْ
تدعو إلى عِظَم المصاب ثُبورا
وبمن نُقوِّم في الشريعة أمرَنا
إنْ أحدثتْ غِيَرُ الزمان أمورا
كم مجلسٍ عطَّلْتَه من هيبةٍ
وجلالةٍ تدع الكبيرَ صغيرا
كم موقفٍ لك في الخطابة زانه
لفظٌ يفصِّل لؤلؤًا منثورا
كم غمرةٍ من بعد أخرى خضْتَها
وخرجتَ منها فائزًا منصورا
لم يحسدوكَ وإنما هم ضاعفوا
لكَ شهرةً بالفضل لا تشهيرا
لا تأسَ، علَّ عمائمًا نبّهْتَها
تصحو فتسعى سعيكَ المشكورا
إن يتْبعوك فلا المفاسدَ نتَّقي
في ديننا أبدًا، ولا التأخيرا
شهدوا، وقالوا صالحٌ، والله يَعْ
لَمُ أنهم لا يشهدون الزورا
إن كنتَ فارقتَ الديارَ فإنما
عُوِّضْتَ عنها جنّةً وحريرا
أو كنتَ غصنًا صوَّحَتْه يدُ البلى
فهناك تلقَى نضرةً وسرورا
والصبرُ أجمل بي عليكَ من البكا
لو كان أمرُ الصبرِ لي ميسورا