جلستُ أقرأ في سِفْرِ المساكينِ
للرافعيِّ وهذا السفرُ يعنيني
جلستُ أقرؤُه والنفسُ مفعمةٌ
بكلِّ مُنهِكةٍ في دهر مَحْزون
تَقْرَا عيوني وما يدري الذي قرأَتْ
ذِهْني فتعبثُ كفِّي بين عُثْنوني
حتى رميتُ بذاك السفر مُبْتئِسًا
أرنو بِعَينَيْ سليبِ العقل مجنون
ثم انحنيتُ على نفسي أسائلها
أين المفرُّ ألا يا أختُ دُلِّيني
قالت إلى الخمر، قلت الخمرُ منقصةٌ
قالت إلى البيت، قلتُالبيتُ يُضنيني
قالت إلى السِّفْرِ، قلتُ السفرُ ألْجَأني
إليك كيما تواسيني وتَشْفيني
قالت إلى النهر قلت النهرُ وا أسفا
النهر يبعثُ أحزاني ويشجيني
النهر يا أخت مقصورٌ على فئة
وليس لي منه إلا ما يُعنِّيني
بينا أنا إذ أتاني صاحبٌ لَبِقٌ
من المواسين أوْصابَ المساكين
فقال قم نَحْتسي راح النسيم على
جوانحِ الجسْرِ إنَّ الجوَّ يغريني
فقمتُ أسرعُ والوجدانُ يشكره
وليس كالشكر بعد الفضل يرضيني
سِرْنا قليلاً على مهْلٍ تداعبنا
نسائمٌ رنَّقَتْها روحُ تشرين
والناس ما الناس من خمرِ الصَّبا نَهَلوا
فمادَ عِطْفُهمُ كالغصن في اللِّين
سرنا نرودُ لروحَيْنا مسارِحَها
على الفرات وفي جرْفِ البساتين
لعلنا نحصبُ الآلامَ عن كبد
لكننا قد أُخِذنا أخذَ مطعون
فقد شهدنا بحافِ الجسر شبْهَ فتًى
مُمَدَّدَ الجسم في أسْمال مأفون
فقال لي صاحبي والحزنُ يعصرُه
ألا تراه فهذا شكل مسكين؟
فقلت هذا شعور النُّبْلِ فيك بدا
«جَبّارُ» هذا مجالُ الخلْقِ والدين
هيا أخي علَّه بالسقْم مُرتطِمٌ
أو أنه صفَعَتْهُ كفُّ ملعون
أو أنه من بني الإملاق أنهكَهُ
فَقْدُ الطعام وإمْحالُ الشرايين
جئنا إليه فَدَلَّتْنا علائمهُ
من البُداةِ من الشُّمِّ العرانين
ممَّن أقاموا على البَيْدا سعادتَهم
هناك في لَفْحها نَفْحُ الرياحين
هناك حيث تطيرُ الروحُ مطلَقَةً
لافي البيوت كأرواحِ المساجين
هناك حيث ربوع الشوك قائمة
لا في البساتين ما بين «الحياطين»
هناك حيث يفيد الحُرَّ مِقْوَلُه
لا في المدائن في غُلِّ القوانين
ثم انحنى صاحبي يبغي يسائله
عمّا يعانيه من بادٍ ومكنون
ماذا دهاك أيا ذئب الفلاة فهل
جوعٌ عراكَ؟ بل الأسقام تكويني