منابتَ العزِّ حيّا الله ذكراكِ
ما كان أثراك من مجدٍ وأسْراكِ!
أيامَ ذكراك ريحانُ النفوس وفي
منازلِ السعد والإجلال مسْراك
أيامَ يُمناك مأوى المُلْك مقبضُه
ومهبطُ العلم والخيرات يُسْراك
أيامَ إدراكُ ما أحرزتِ من شرفٍ
لم يبدُ للغرب في ظنٍّ وإدراك
ما كان أبهاكِ لما كنتِ باديةً
وبالجَدا والندى ما كان أغراك!
أيامَ بالشيح والقَيْصوم عِطْرُك ما
أحلاك إذ فاح بالعرفان نشراك!
أيامَ بالجود في مَمْسىً ومُصْطَبحٍ
يضيء من أمل العافين عصراك
كم حاتمٍ فيك! إن البخل منقصةٌ
وحاتمٌ شاهدٌ عدلٌ بذكراك
وكم حمى لك عِرِّيساً غَطارفةٌ
موفّقون لإِرهابٍ وإدراك!
في عنترٍ وعليٍّ وابن ذي يزنٍ
في الجاهلية والإسلام فخراك
وكم أبى لك مُرَّ الذل من بطلٍ
حامي الحقيقة نهّاضٍ بعسراك!
مذ يُسِّرتْ فيك أخلاقُ الكرام جَرَتْ
باليُمن والخير والإحسان يُسراك
أمَّ اللغات عويلي فيك متّصلٌ
ومقلتي بسخين الدمع عبراك
أنعاك قبل عكاظٍ حيث أسفرَ في
أرجائها بشريف اللفظ معناك
ب «ذي المجاز» مجازٌ للحقيقة لم
تُحرمْ «مِجنَّةُ» منه وهْي مغناك
أنعاك لل «بصرةِ» العصماء حيث بها
جريتِ في سُنن العلياء مَجراك
وكم بنى لك كوفيٌّ منارَ عُلا
إذ شاد فوق متين اللفظ مبناك!
أنعاك حين دهاك الدهر فامْتُهنتْ
دمشقُ وامتُحنتْ بغدادُ بُصراك؟
دمشقُ أين بدورٌ زينوا حلباً
وبصَّروا بسديد الرأي بُصْراك
شادوا بناءً لأهل الضاد طال به
على المُزاحم أو شانيك مَرْقاك
أيامَ مولاك ربُّ الأعجمين وما
ربٌّ يُعظَّم إلا ربُّ مولاك
كم ساس بالحلم والجدوى معاويةٌ
أساسَ مُلْكٍ فتمَّتْ فيه عُلياك!
كم شاعرٍ فيك باللفظ السديدِ رمى
حَبَّ القلوب وغنَّاها بمَغْناك!
وكم خطيبٍ بأبواب الملوك حوى
فصلَ الخطاب من المشكوّ والشاكي!
وكم أديبٍ بمختار الكلام رقَى
عرشَ الوزارة إذ آواه مأواك!
«عبدُالحميدِ» شهيدٌ أنَّ كل فتًى
يغشاك يمرع في جنّات دنياك
رقَى «جريرٌ» و«همّامٌ» وصاحبه
بابَ السّماك ونالوا صفو مسعاك
دمشقُ كم ثوبِ عزٍّ تهْتِ فيه وكم
قد ضاحكَ البدرُ وضَّاحًا مُحيّاك
لله دَرُّ بني حمدانَ إذ كشفوا
بسيف دولتهم عُظمى رزاياك
ودرُّ أحمدَ فيهم شاعراً لبقاً
يُبكي الضحوكَ ويبدي مَضْحكَ الباكي
كذلك العُرْب إن قالوا شَفَوْا وإذا
صالوا أبادوا بحدٍّ كلَّ سفّاك
هناك قد شرحوا للناس أنَّهمُ
حامو الذمار ومُردو كلِّ أفّاك
هناك قد غرسوا بِيضَ الخلال على
سودِ النفوس فضاءت بعد إحلاك
هناك قد زرعوا آدابَهم فبدت
للناظرين بوجهٍ ضاءَ ضحّاك
واليومَ قد ذهبوا فالشرقُ بعدهمُ
مثلُ الصدَى أو كرجع الصوت في الحاكي
وا لهفتاه على بغدادَ دانيةً
قطوفُها ولذيذاً نشْرُها الزاكي
على «الرصافة» كم حسناءَ نافرةٍ
من وحش وَجْرَةَ لم تعْلق بأشراك
«دارَ السلام» سقاك الغيثُ رَيِّقَهُ
كم أبردتْ كبداً حرَّى عطاياك
كم أورق الجودُ بالإحسان فيك وكم
بالعفوِ والصفوِ قد طابت هداياك!
تفجَّرَ العلمُ في ناديك حين سما
بيُمن «هارونَ» و«المأمون» مجداك
كم موقفٍ ل «ابن هاني» فيك محترمٍ
ومجلسٍ من «رُقاشيٍّ» و«ضَحّاك»
لدى جواريك آدابٌ تكاد بها
على ملاحتها تُدعى بأملاك
في حلم «معنٍ» وجدوى «جعفرٍ» وندى
«آلِ الربيع» ربيعٌ وهْو مرعاك
إن الذي هدَّ من أركان «قرطبةٍ»
هو الذي من ثياب الملك أعراك
كانت عروساً نفوراً ذات أبَّهةٍ
على البلاد وإرهابٍ وإدراك
مدينةَ الغرب ما لي منظرٌ أَنِقٌ
يشفي غليليَ إلا حسنُ مرآك
هناك أضداد أهل الضاد قد خُذلوا
فيها وكم ثُلَّ فيها عرشُ إشراك
وكم لسانٍ، لسانُ الدين فيه غدا
ك «ابن الخطيب» مُبيداً كلَّ أَفّاك
وكم تفتَّقَ نورُ الفضل حين سقى
من «ابن زيدونَ» طيباً زان ريّاك
أمَّ اللغات عويلي غيرُ منقطعٍ
حتى أرى الدهرَ عبداً من رعاياك