تخطَّ إلى المحتوى

إننا نبصر في كل مكان

الرمل

١١١ بيت

المتفرقات

إننا نبصرُ في كلِّ مكان

حسرة الأنفس في هذا الزمان

من وجوهٍ مات فيها الخفرُ

وعيونٍ حارَ فيها النظرُ

يلعن الوجه أخاه نافرَا

يبغُضُ الطرف أخاه ناظرَا

قطَّعوا من بينهم كل سبب

هجرَ الناسُ حياءً وأدب

ثورة تبصرها كلَّ طريق

يتجلى الهجر فيها والعقوق

ليستِ الأمُ بها أمَّاً ترى

لا ولا الوالدُ فيها عزِّرا

لا ولا الأختُ لها حرمتها

من أخيها وقَدتْ حسرتها

لا صغير قد رعى حقَّ الكبير

أو كبير راحم ضعف الصغير

فترى في قُبْحها أفعالها

تسمع الألفاظ أصداءً لها

تلك فيضٌ من قلوبٍ في نفور

تقدح النيران منها في الصدور

إنَّما النَّاسُ صلاحٌ وفساد

بالتئامٍ أو شقاقٍ وعناد

إنَّنَا نُبْصِرُ آحاداً ولا

نبصرُ الحبَّ بها متصلَا

إنها الأعدادُ في غيرِ حساب

لم يؤلفها على النَّهجِ احتساب

ومِنَ الأعدادِ بُغضٌ واختلاف

ومِنَ الأعدادِ حُبٌّ وائتلاف

ومِنَ الأعدادِ حقدٌ وشِقاق

ومِنَ الأعداد رُحمٌ ووِفَاق

فإذا سارتْ على غير سَنن

فهي بُغْضٌ وشِقاقٌ وفِتَنْ

وإذا ألَّفتها في قاعدَةْ

فاستقامتْ في طريقٍ واحدَةْ

فهْيَ نظمٌ وائتلافٌ واطِّرادْ

وحِسابٌ بالغٌ كلَّ مرادْ

فانظروا ما النظمُ في أعدادنا

وانظروا ما الجمعُ في آحادنا

انظروا هذي القلوب النافرَةْ

واجمعوا هذي الوجوه الثائرَةْ

املؤوا الأنفسَ خيراً وهدَى

واجمعوا بالحب هذا البددَا

اغسلوا بالحبِّ هذا الدَرَنَا

أطفئوا بالودِّ هذا الضغَنَا

ما ينالُ الحبُّ يوماً بالهوى

إنَّما الأهواءُ أسباب النوى

يجمع الحق نفوسَاً شارِدَةْ

إن للحق طريقاً واحِدَةْ

ليس إلا الحق في جمع القلوب

ما سوى الحقِّ إليه تستجيب

أرضعوها الحق في ألبانِهَا

أشعروها الحق في أحضانِهَا

واجعلوه قبلةً في كلِّ حين

لا تزيغوا عنْ شمالٍ أو يمين

ومن الحق إلى الخيرِ الطريق

ليسَ إلا الحق للخيرِ رفيق

ومن الخيرِ إلى الحب المسير

ومن الحبِّ إلى الجمعِ المصير

لا يُرى للحقِ إلا مَشرق

كل حقٍ من سناه يُشرق

ليسَ للخيراتِ إلا منبعُ

كلّ خيرٍ من جداه ينبعُ

إنَّما للحبِّ نهرٌ واحِدُ

كلُّ ينبوعٍ إليهِ عائِدُ

منبع الحقِّ هو الحقُّ المبين

بارئ بالحقِّ كل العالمين

منبع الخيرِ هو البرُّ الرحيم

برُّه في خلقهِ فيضٌ عميم

منبع الحبِّ هو اللهُ العلي

هو مولى للبرايا وولي

فأضيئوا النفس من إيمانها

وانظروا الآيات من إحسانها

املؤوا الأنفس من نورِ اليقين

وانظروا إبداعها في كل حين

إنما الإنسان من لحمٍ ودم

فيه قلبٌ كسراجٍ في ظُلَمْ

ذلك اللحمُ إلى ماء وطين

ذلك النور لربِّ العالمين

فإذا أطفئ فيه ذا الضياء

فهْوَ وَحشٌ همُّهُ سفك الدماء

إنَّ هذا الجِسمُ ذو وزنٍ وَحَدّ

وبهذا القلب كونٌ لا يُحَدّ

هالكٌ من عاشَ في ضيق الجسدْ

من يَعِشْ في وسعةِ القلبِ خَلَدْ

أنتَ في جِسمكَ من طينٍ وماءْ

أو قوامٍ فيهِ لحمٌ ودماءْ

أنتَ في الروحِ حياةٌ وطماح

ورَجاءٌ وجهادٌ وكفاح

أنتَ في قلبكَ سِرُّ العالمين

فيهِ أمرُ اللهِ للخلقِ مبين

لا يحدُّ القلب في الآفاقِ حَدّ

إنَّهُ يكبر عن وزنٍ وعَدّ

أيُّها الغافلُ عن سِرِّ الإلَهْ

انظرنْ في القلبِ يوماً لتراهْ

ضاقَ عن أمرِ الإلهِ العالمُ

وحواه القلب هذا الخاتمُ

كلُّ ما أدركت من معنىً جميل

كل ما أبصرت من أمر جليل

كل ما أوعاه تاريخ البشر

من جلالٍ وجمالٍ وعبر

كلُّ ما سُجِّل عن أخيارِهِ

كلّ ما حُدِّث عن أبرارِهِ

هو نورُ اللهِ في القلبِ الصغير

أو تجلِّي الله في الكونِ الكبير

هو نبضُ القلبِ في الدنيا انتشر

هو خفقُ القلبِ يرمي بالشرر

إنَّما الإيمانُ بالدنيا يدورْ

فهو نار في دُجَاها وهو نُور

فاجعلوا منهُ تباشيرَ المنى

واملؤوا الآفاق منه بالسنى

ارفعوا الأنفس فيهِ صَاعدَةْ

ارفعوها عن معانٍ خامدَةْ

عن متاعٍ وطعامٍ وشراب

ومعانٍ كلها نبت التراب

قيمةُ الإنسان قلبٌ للعُلى

لا رياشٌ ومتاعٌ للبِلَى

كل ساعٍ قدرُه بغيته

وزنه بين الورى منيته

أيها القانع دوداً في تراب

حلِّقن في جوِّها مثل العُقاب

أيها السادر في لهوٍ ودد

من لهذا الكون في يومٍ وغد

أنقذوا الإنسان من هذا الردى

أبصر الإنسان يا قومي هوى

أيها المسلمُ يا من خُلِقَا

ليكون الحق فيه خُلُقَا

انهضنْ يا صاحُ بالعبءِ الثقيل

أنتَ في الأرضِ عن اللهِ وكيل

قد قضى الخلَّاقُ بالأمرِ إليك

قسَّمَ الأرزاقَ يوماً بيديك

سيطرن بالحقِّ في هذي البلاد

واحكمنْ بالعدلِ ما بينَ العباد

أنقذِ الإنسانَ من هذا الشقاء

وأزل من أرضنا هذا العناء

املأ الأرضَ بحُبٍّ وصفاء

وسلام وودادٍ وإخاء

واحكمنْ بالحقِّ في أرجائِها

وانعمنْ بالأمنِ في أفيائِها

واملأ الآفاقَ حقَّاً وسنا

و املأنْ بالخيرِ آفاق الدُّنَى

علِّم الإيمان والحق العلي

علِّم الإيثار والزهد الغني

زهد من يملك آلاف الألوف

وهي في عينيه لغوٌ وزيوف

قولةٌ في الحقِّ أعلى عنده

فعلةٌ في الخيرِ أغلى عنده

كل ما يمسكُ منها درهمُ

كل ما ينفقُ منها مغنمُ

هذهِ الأموالُ جمعاً يا بنيّ

لا تُساوي ذلة الحُرِّ الأَبِيّ

إنها اللعبةُ في عينِ الحكيم

إنها الدرهمُ في كفِّ الكريم

جوهراً يحسبُ من لا يعرفُ

وهي عند العارفينَ الصدف

إنّما الجوهرُ قلبٌ قد أضاءْ

وسعَ الأرض جميعاً والسماءْ

لا يعافُ الحرُّ أكل الطيبات

آخذاً في الأرض كل الثمرات

ربما استولى على أعدادها

ربما أوفى على آمادها

آخذاً أو معطياً لا يشرهُ

رابحاً أو خاسراً لا يأبه

عبَّدَ الدنيا ولا تستعبدُهْ

فاكِهاً في نعمةٍ لا تفسدُهْ

حَائِماً للرزقِ صقراً طائرَا

لا يريغُ الرزاق فيها صاغرَا

فإذا شِيْمَ هواناً فزعَا

مثلما يفزعُ من قد لسعَا

واستمد العز من همتِهِ

واستثار النار من عزمتِهِ

فإذا الماءُ لهيبٌ ودخانْ

وإذا الحلمُ ضرابٌ وطِعانْ

وإذا سدَّ عليهِ كل باب

فارقَ الدنيا إلى غيرِ إياب

إن موتَ الحرَّ في ذلته

وحياة الحرِّ في عزته

قالَ لي شيخٌ وقورٌ ألمَعِيّ

من بني ينبع شهمٌ عربِيّ

كنت يوماً في عيونٍ ونخيل

في القرى من ينبع النخل الجميل

ومعي من أهلِ نَجْدٍ نَفَرُ

اصطياد الطيرِ فيهم وَطَرُ

وإذا صقرٌ علينا حَلَّقَا

سابحاً في جوِّه قد خَفَقَا

أسرعَ الرفقة في نصبِ الشَّرَكْ

وسمانى وضعوها في الشَّبَكْ

وهوى فانقض هذا الأجدلُ

بل هوى هذا القضاء المنزل

فطوى سقطيه هذا المهلك

وثوى في حبله يرتبك

وأتى الصيادُ للطيرِ الأسير

عينهُ في اللوحِ لكن لا يطير

سابحُ الجوِّ بخيطٍ علقا

ذلك الخفاق فيهِ أخفقا

ذلك الصيادُ في جوِّ السماء

صاده بالختلِ صيادُ القضاء

قاهر الجوِّ بعزمٍ وجناح

بدَّل الشُّبَّاك من متن الرياح

ضَاقتِ الأجواء عنه مسرحَا

كيف يرضى في إسارٍ مطرحَا

ثم قالَ الشيخُ جئنا ننظر

لنرى الأجدل أنَّى يؤسر

فإذا دمعةُ عينٍ هاملَةْ

وإذا المهجة فيها سائلَةْ

ذا يسمى الحرُّ من بين الصقور

لا يطيقُ الأسر من بينِ الطيور

فكُنِ الصقرَ الأبيَّ العالِيَا

وكُنِ الحُرَّ الكريم الآبِيَا

واحذرنْ يا حر هذي التهلكَةْ

احذرنْ من خوضِ هذي المعركَةْ

إنَّها معركة للأبطن

ضلَّ في غوغائها ذو الفِطن

في وغاها كل حزم ضيَّعَا

غاب عنها العقل والقلب معَا

لا تغرنك مرايا بارقَةْ

وفنونٌ وعلومٌ خارقَةْ

إنَّها رأسٌ بلا قلبٍ يسير

إنها هرْجٌ ومرْجٌ وسعير

قد أضلَّ الغيُّ هذي الأُمَمَا

فثوى إبليسُ فيها حكما

فدعاها في ظلامٍ تصطدمْ

ورماها في ضلالٍ تحتدمْ