تخطَّ إلى المحتوى

داود يبكيك فن كنت تبكيه

غير معروف

٣١ بيت

المتفرقات

«داودُ» يبكيك فنٌّ كنت تبكيه

كأنما دمعه ديْن يؤديهِ

لقد رثيتَ له إذ قلَّ ناصره

وكنتَ من عَنَت الأيام تحميه

غرسٌ تعهدَته إذ مات من ظمأ

فقمتَ بالدم لا بالماء تسقيه

لم ألقَ في مصر فنَّانًا يزاوله

إلا تلقَّى على «حسني» مباديه

حتى إذا ما شدا طير على فنَنِ

زال «النشازُ» بجوف القبر يؤذيه!

ما كنت للفن، يا «داود»، غير أبٍ

بَرٍّ، وما كان إلا ابنا تربيه

فمن حياتك في الفن الحياة سرت

ومن معانيك قد رقَّت معانيه

لم ألقَ مثلكما: فنًّا وصاحبَهُ

يفني شبابك فنَّاء وتحييه

رحماك! قضَّيت فيه العمر مبتئسًا

وراح غيرك في اللذات يقضيه!

قد كنت في زمن تشقى الفنون به

فعشت عيشَ رجال الفن في التَّيه

ماذا أصبت في الدنيا وزينتها؟

هات التُّراث الذي خلَّفت أحصيه

يا رُبَّ ليل بلا فجر، شدوت به

مضى حثيث الخطا، وابيضَّ داجيه

تغار شمس الضحى من سعد أنجمه

وتشتهي لو أطلَّت في حواشيه

تكاد أسحاره تصغي إليك؛ فإن

ناديتَ: «يا ليلُ»، لبَّى من يناديه

يا مرسلَ اللحن؛ يبكينا، ويضحكنا

ويشعل القلب نيرانا، ويطفيه

كأنه مَلِكٌ تعنو القلوب له

مُلْكُ القلوب تعالى الله بانيه

لم يتخِذْ عودَه «داودُ» من خشبٍ

بل كان مُهَج العشاق يبريه

يمس أوتاره مسًّا؛ فينطقها

كأنما هي أرواح تناجيه

إذا ترنم أنْسى الناسَ أنفسهُمْ

حتى يذيع الهوى من كان يخفيه

وبات كل محبٍّ وهْو في شُغُلِ

كأنما هو دون الناس يعنيه

إن الحياة بلا لهو ولا طرف

داءٌ نقاسيه؛ بل موت نعانيه

الطير يسجع إن هاجت بلابله

والركب يحدوه في البيداء حاديه

والوحش يأنس بالأنغام نافره

والخل إن صدَّ بالألحان تصيبه

«داود»، كم لك ألحان مرددة

يجرحن أحشاء من يخرجن من فيه

لا تطرُقُ السمعَ إلا خلفت أثرًا

كالنقش في الصخر؛ لا يمحوه ماحيه

تطير في كل آفاق بسامعها

كأنها وَكّلت بالجو تطويه

تغلغلت في نفوس الشعب، وامتزجت

به، فأصبح يَرويها، فتُرويه

أتيت بالنغم الشرقيِّ منسجما

مبرَّءًا خالصًا من كل تشويه

وراح غيرُك يهذي بالجديد، فما

كان الجديد السوَي زيفٍ وتمويه

ما للفتى وطن يُعزى إليه إذا

ما لم يحس الفتى إحساس أهليه

قل ما تشاء؛ فإن الدهر ينقده

تنفي الحصى يدُه، والدرَّ تبقيه